آثر الجهاد على البريق الخادع والمناصب الكاذبة التي تجذب أصحابها إلى مستنقع الطين والذل التي تكلفهم أن يقدموا على مذابح الذل أضعاف ما تتطلبه الكرامة.
لقد كان من ضمن وصايا الشهيد: أيها المسلمون: حياتكم الجهاد، وعزكم الجهاد، ووجودكم مرتبط ارتباطا مصيريا بالجهاد، أيها الدعاة: لا قيمة لكم تحت الشمس إلا إذا امتشقتم أسلحتكم وأبدتم خضراء الطواغيت والكفار والظالمين.
إن الذين يظنون أن دين الله يمكن أن ينتصر بدون جهاد وقتال ودماء وأشلاء هؤلاء واهمون لا يدركون طبيعة هذا الدين.
إمام الجهاد .... أمام العلماء
تلفت الشباب المسلم في الأرض من حولهم- فظنوا أن الأمة قد عقمت - ليروا عالما مجاهدا يحمل القرآن بيد ويحمل الحسام باليد الأخرى، يعيد لهم سيرة الأولين، منقبضا عن السلاطين والأمراء، وإذا بهم يهتفون: إنه العالم الرباني المجاهد الشيخ عبدالله عزام.
لقد جدد إمام الجهاد سيرة العلماء العاملين المجاهدين في سبيله من سلف هذه الأمة، وحاول أن ينفض غبار الذل عن وجه هذه الأمة التي تركت الجهاد ; فرفض أولا أن يقف مواقف الفتن التي أشار إليها حذيفة ابن اليمان كاتم سر رسول الله ص الذي قال: (إياكم ومواقف الفتن، قيل: وماهي؟ قال: أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير فيصدقه بالكذب ويقول ما ليس فيه) . وفعلا هي مواقف فتن كقطع الليل المظلم، إذ الأمراء والسلاطين يغرقون العلماء بأعطياتهم فيسكتون على ظلمهم وجورهم وردتهم المتمثلة بالولاء للكافرين، وكما قال بعض السلف: (إنك لا تصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينك أفضل منه) .
لقد كان الإمام الشهيد عزام من طراز آخر، نظر فوجد حال الأمة مستضعفة، مستباحة الحمى، يستنسر البغاة بأرضها، فاستنهض همم الشباب، بعد أن هيأ الله لهذه الأمة جهادا على أرض أفغانستان، وهز أفئدة العلماء حتى يفيقوا من سباتهم العميق، وبينلهم أن العالم الإسلامي ابتلع قطعة قطعة على أيدي اليهود والصليبيين والملحدين، ذهبت الأندلس، وضاعت فلسطين، وكادت أفغانستان أن تضيع، لولا أن الله تعالى قيض لدينه قوما آخرين - المجاهدون الأفغان- فوقفوا سدا منيعا في وجه الدب الروسي الذي أراد أن يزحف على العالم الإسلامي، فصد ر الشهيد فتواه- في الجهاد - في فرضية العين في الدفاع عن أراضي المسلمين، فوافق عليها مجموعة من العلماء، كما أرسل رسائل أخرى إلى بعض العلماء المعتبرين يب صرهم بواقعهم الأليم، ويضعهم أمام مسؤولية عظيمة بين يدي الله، فحاول أن يستحث خطاهم، وأن يوقظ ضمائرهم وأفئدتهم ليتقدموا لقيادة هذا الجيل الراجع إلى ربه ولا يترددوا وإلا فإن العاقبة وخيمة، والمسؤولية بين يدي رب العالمين عظيمة، والحساب الذي ينتظرهم عسير.
حاول الإمام الشهيد أن ينقلهم من حياة الترف والنعيم ودغدغة العواطف إلى حياة الجهاد والرجولة والجدي ة في العمل لهذا الدين، فأظهر لهم حقيقة كانت غائبة عن أذهانهم ; أنه لا يمكن أن يغني عن الجهاد أي شيء،