ويوم أن حاول شيخنا الشهيد أن يخرج من القرية تشبث به والدي ومجموعة من أقربائي قائلين له: ياشيخ عبدالله كيف تخرج وتتركنا ? فأجاب الشهيد يومها - رحمه الله - (أنا لا أستطيع أن أتعايش مع اليهود، كيف ترضون مني أن يمر اليهود أمام ناظري- دون أن أقف في وجههم - وأنا مكتوف الأيدي ?) .
لذلك عزم الشيخ الشهيد أن يخرج مشيا على الأقدام ومعه مجموعة من الشباب بينهم رجل كبير من أهالي القرية، وبينما هم يتحركون باتجاه الشرق وفي منتصف الطريق اصطدموا بدورية عسكرية اسرائيلية، فاستوقفتهم، وقام أحد الجنود بتفتيش الإخوة، فكان الدور ينتظر الشيخ الشهيد، فلما مد الجندي يده في جيب الشيخ أمسك بيد الجندي حتى لا يقع المصحف الصغير الذي كان يحمله بيد اليهودي لأن الكافر لا يجوز لنا أن نمكنه من المصحف، فرجع الجندي اليهودي إلى الوراء وسحب أقسام البندقية، وأراد أن يقتل المجموعة ومن ضمنهم شهيدنا، فتشهد الشيخ الشهيد، وتقدم الرجل الكبير الذي يرافقهم يرجو الجندي أن يطلق سراحهم قائلا له إنهم أبنائي، وتدخل أحد الضباط اليهود الذي دار بينه وبين الجندي محاورة أسفرت عن إطلاق سراحهم.
ثم تابع الشيخ الشهيد سيره باتجاه الاردن حتى وصل إليها، وقد تعاقد مع التربية والتعليم في السعودية لمدة سنة رجع بعدها إلى الاردن وبعد ذلك كان الشهيد يعمل معلما في مدرسة التاج الثانوية للبنات، وكان يقيم في شقة في نفس الجبل غرفة في عمان، وفي ليلة هادئة، وإذا بصوت نشيد ينبعث منه الحماس، من أفواه بعض الشباب للقتال على أرض فلسطين، فيقول الشهيد: فقلت في نفسي: أليس من العار عليك يا عبد الله أن يسبقك هؤلاء الشباب إلى ساحات الأقصى ? من أولى بالجهاد منا ?
أليس الشباب المسلم أولى بالدخول إلى فلسطين والوصول إلى روابي القدس?
فذهب وقدم استقالته، وانتقل فورا بعائلته من عمان، من الشقة التي كان يسكن فيها مع عائلته إلى غرفة من طين!! غرفة واحدة، هي المطبخ، هي غرفة النوم، وهي معدة للإستقبال، وهي الحمامات.
وكان العمل الفدائي قد ظهر على الساحة الأردنية.
فاستنهض الشيخ الشهيد مجموعة من الشباب وبمشاورة الحركة الإسلامية في الأردن اتخذوا قواعد لهم في شمال الأردن، وبدأوا عملياتهم على اليهود في فلسطين.
ولقد كانت ردود الفعل تجاه جهاد الشهيد شديدة فلقد جاءت مجموعة من الأقارب، من بينهم والد الشهيد لإقناعه بالعدول عن طريقه، حيث كان الجهاد يومها مستغربا، خصوصا من موظف مؤهل يحمل شهادة، لأنه كان في نظر الناس أن الجهاد لا يقوم به إلا العاطل عن العمل أو غير الموظف!
كان هذا في قرية الرصيفة حيث كانت تسكن شقيقته (أم محمد) فقال له والده: يا بني أنا كنت مؤملًا أن تكون من القضاة الكبار في عمان، وإذا بك تدور مع الأولاد الصغار -مع الشباب في الجبال، وبدأ يبكي هو والوالدة.
فهب الشهيد غاضبا وقام من مكانه وقال: أنا أدعوكم إلى الجنة وأنتم تدعونني إلى النار (يا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار) . (المؤمن: 14)
فمن يومها يرى الشيخ عبدالله أنه لا إذن للوالدين منذ أن كان مجاهدا على أرض فلسطين.