درسا عمليا للدعاة والعلماء في الأرض أن هذا هو الطريق إن كانوا جادين في العمل لهذا الدين، وإن كان في نظرهما إن هذا المنعطف في حياة الإنسان مليء بالمخاطر وبمستقبل مجهول، لأن هذا العمل وهذا الطريق هو الذي يؤمن به المسلم مستقبله إلى الأبد بالفوز بالجنان والفردوس الأعلى.
إن الشيخ الشهيد أراد أن يعطي أصحاب المراكز الحساسة والدرجات العالية الذين يسعون ليلا ونهارا من أجل الترقية والدرجة في الوظيفة لينالوا في النهاية تقاعدا لهم ولأولادهم أن الجهاد لم يفرض فقط على هؤلاء الفتية والشباب الذين باعوا أغلى ما يملكون من دنياهم، وهذا المتاع الرخيص بجنة عرضها السموات والأرض، وإنما الجهاد فريضة لازمة في عنق كل مسلم وإن كان من الأغنياء أو الزعماء، وقد ضرب لهم الشهيد مثلا أعلى في نفسه، بل من قبله رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن يتخلف عن غزوة، ولم يكن يرسل أصحابه أو بعضهم ويجلس ينظر إليهم.
لقد أفهم الشهيد عزام بطريقة عملية أنه عند النفير لايستثنى أحد لا من الزعماء ولامن الأغنياء، فما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل بلالا وصهيبا وعبد الله بن مسعود ويقول لهم: أنتم اذهبوا وقاتلوا ولا بأس أن يراق دمكم دفاعا عن غيركم، أما أنتم: أمثال عبد الرحمن بن عوف والصديق لا تذهبوا إلى الجهاد لأهميتكم ومركزكم الرفيع في مجتمعكم، ولكن الله تعالى خاطب الجميع بقوله:
"إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير". ... (التوبة: 93)
كان العاملون في الحقل الإسلامي يتخوفون من إراقة الدماء، فقدم الشهيد روحه في سبيل الله وسفك دمه ليكون - بطريقة عملية - عبرة لهم ودرسا بليغا ; أن شجرة هذا الدين لا تستوي على ساقها ولا تزهر ثم تثمر إلا بدماء الشهداء العلماء، فهل من مدكر؟!
جهاد الشهيد في فلسطين
بعد احتلال الضفة الغربية 1967م حيث سقطت والشهيد يعيش داخل فلسطين، لم يرق للشهيد أن يعيش في ظلال الإحتلال اليهودي بعد ما رآه بأم عينه من دخول الدبابات اليهودية إلى فلسطين -وكأنها في نزهة- قد أثر على نفسه كثيرا، مما جعله يأخذ للأمر أهبته واستعداده، لذلك اليوم الذي يثأر فيه لدينه وربه ولأقصى المسلمين , فبعد الاحتلال اليهودي للضفة الغربية والقطاع بأسبوع تقريبا كان الشيخ يتململ من الوضع الجديد الذي رأى فيه نفسه أنه يعيش مكبلا داخل عشه وقفصه، فصمم على الهجرة من فلسطين إلى شرق الأردن نظرا لأنه:
لم يرق له أن يعيش ذليلا أسيرا مقيدا بقيود الاحتلال، وامتثل لقوله تعالى:
(ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها) ... (النساء: 79)
حتى لايكون من المستضعفين الذين لا يملكون حيلة ولا يهتدون سبيلا فتنطبق عليه الاية:
(إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض) . (النساء: 79)