تضرعت إليك ودعوتك وإذا شبعت شكرتك وحمدتك) (1) [انظر صحيح الترمذي بشرح ابن العربي 9/ 209 باب الزهد] .
ولو أراد الشهيد الدنيا لنالها وقد أقبلت عليه طائعة بزينتها، ولكنه كان يمقت الترف، وآثر حياة الجهاد على التقلب في أطراف النعيم، ولقد كان رحمه الله يعتبر الزهد من أعمدة الجهاد.
رابعا:- حلمه وصبره: وكيف لا يصبر وهو يعتبر الصبر أحد أعمدة الجهاد (في خضم المعركة 1/ 3) ، والصبر من طبيعة الجهاد، ولا يمكن أن يكون هناك جهاد بدون صبر، أذكر يوم أن أنكفأ القدر بما فيه من مرق ساخن (2) [هكذا في الأصل والصحيح انكفأ إبريق الشاي بما فيه من ماء ساخن] . على يد ابنه الصغير مصعب وإذا بالبيت يرتبك، فقال لهم الشهيد بهدوء سبحان الله! إن بيوت الأفغان لا تخلو من عدة مصائب، فأحيانا تجد البيت فيه مأتم، وقد شوه وجه ابنه، أو قلعت عين ابنته، وهذا قطعت يده أو رجله، وهم مع ذلك صابرون محتسبون، وإذا بالبيت فجأة يلفه الصمت ويرضون جميعا بقضاء الله.
وقد حاول الطواغيت في الأرض محاصرته ولكنهم لم يستطيعوا أن يصلوا إلى هذه القمة السامقة التي تعيش فوق ذروة سنام الإسلام، فماذا فعلوا? وجهوا سهامهم وحركوا أذنابهم ليتناوشه الأعداء من كل جانب، وليطلق المنافقون ألسنتهم بالسوء في محاولة لتشويه سمعته، ولكنه صبر وثبت واحتسب ذلك عند علام الغيوب، وكان لسان حاله يقول كما قال الشاعر:
فإما حياة تسر الصديق ... وإما ممات يغيظ العدا
ونفس الشريف لها غايتان ... ورود المنايا ونيل المنا
ويوم أن كشر أهل النفاق عن أنيابهم وبدأت الأشرطة المسموعة والمنشورات تكتب ضده لتشويه سمعته قال له بعض الإخوة: لو أنك ترد على هؤلاء، فقال - رحمه الله-: والله ما عندي وقت أن أقرأها فضلا عن أرد عليها، لقد وكل أمره إلى الله، وكان لسان حاله يقول كما قال النبي ص عندما شج وجهه يوم أحد وكسرت رباعيته فقال له أصحابه لو دعوت عليهم، فقال عليه السلام: (إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة) ثم قال: (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) (1) [رواه البخاري مختصرا/ انظر شرح الكوماني برقم 3237 كتاب بدء الخلق] .