وإن من مزايا نسختنا أنها مرت بأيدي جماعة من علماء الحنابلة المقدسيين، فقد كتبها الشيخ عبد الحميد المقدسي كما عرفت، وأوقفها الإمام موفق الدين بن قدامة أحد الأعلام المشهورين المتوفى سنة (620) وعليها خطه بذلك، وقرأها أخوه الإمام الشيخ أبو عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي المتوفى سنة (607) ، على الشيخ الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي المتوفى سنة (600) وعليها سماع بخط الحافظ المقدسي، صورته:
(سمع مني هذا الكتاب صاحبه الفقيه أبو أحمد عبد الحميد ابن محمد بن ماضي المقدسي أحسن الله توفيقه، بقراءة الفقيه أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، وسمع معه جماعة. كتبه عبد الغني بن عبد الواحد بن علي المقدسي، وذلك في يوم الثلاثاء السادس عشر من شوال سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل) .
وإن من مزايا هذه النسخة أيضًا أن إسناد راويها وكاتبها الشيخ عبد الحميد بن ماضي إلى المؤلف الشيخ إسماعيل القاضي إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات معروفون بالعلم والرواية، حاشا واحدًا منهم، ولكنه لم يتفرد به فقد توبع عليه، ولبيان هذه الحقيقة رأيت أن أقدم بين يدي الكتاب تراجم رجال هذا الإسناد، مبتدئًا بالمؤلف، ومختتمًا بالكاتب، فأقول:
هو الإمام شيخ الإسلام أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل ابن محدث البصرة حماد بن زيد الأزدي مولاهم البصري ثم البغدادي الحافظ، صاحب التصانيف، وشيخ المالكية وعالمهم.
ولد سنة (199) ، وسمع من جماعة كثيرة من الثقات. وشارك الإمام البخاري في كثير من شيوخه، كما سترى في هذا الكتاب، وبورك له في عمره حتى صار واحدًا في عصره في علو الإسناد، فحمل الناس عنه من الحديث الحسن ما لم يحمل عن كثير من أمثاله، وكان الناس يصيرون إليه، فيقتبس منه كل فريق علمًا لا يشاركه فيه الآخرون، فمن قوم يحملون الحديث، ومن قوم يحملون علم القرآن والقراءات والفقه، إلى غير ذلك مما يطول شرحه.