لا القول يُحتاج إليه ولا العمل يُحتاج إليه، وإنما هو اعتقاد فقط، اعتقاد الجَنان، وهؤلاء هم الجهمية ومن وافقهم
وهؤلاء انقسموا: هل الاعتقاد يكون معرفة فقط؟ أو اعتقاد بعقد القلب على صحة ذلك الشيء؟
* فغلاة الجهمية يقولون بالمعرفة فقط ويتبعهم في ذلك غلاة الصوفية، يقولون يصح الايمان أو يبقى اسم الايمان بالمعرفة، فيُطْلَقُ على من عرف أنه مؤمن، فإبليس على لازم كلامهم مؤمن، وفرعون على لازم كلامهم مؤمن لأنه أتى بالمعرفة.
* والذين قالوا إن الايمان هو الاعتقاد لا يُكتفي بالمعرفة فقط، قالوا إن إبليس عنده معرفة ولم يسمى مؤمنا وفرعون عنده معرفة ولم يسمى مؤمنا فلهذا لا يصح إطلاق المعرفة فقط بل فلا بد من الاعتقاد، أما القول والعمل فإنهما لازمان للاعتقاد، فإنه إذا اعتقد اعتقادا جازما فلا بد له أن يقول ولابد له أن يعمل، فصار القول عندهم والعمل من لوازم الاعتقاد الصحيح، كما أن المرجئة - يعني مرجئة الفقهاء - قالوا إن العمل من اللوازم، هؤلاء قالوا حتى القول أيضا من اللوازم لا يدخل في أصل الكلمة، واستدلوا على ذلك على بأن أصل الايمان في اللغة هو التصديق الجازم، وقالوا في الشرع لم يُنقَل إلى شيء آخر بل هو التصديق الجازم الذي هو الاعتقاد.
فهؤلاء جميعا خالفوا أهل السنة في هذه المسائل.
من المسائل المتصلة بالايمان أيضا أن الخلاف في الايمان مع المرجئة خلاف جوهري وليس خلافا صُوْرِيًا.
ونقول ذلك لأن صاحب الطحاوية والشارح ابن أبي العز رحمهما الله جل وعلا قالوا إن العمل من لوازم الايمان وليس بداخل في أصله، هذا قاله الطحاوي، وشارح الطحاوية قال: إن الخلاف مع الذين يجعلون العمل من الايمان خلاف شكلي، وليس خلافا حقيقيا، خلاف صوري
والجواب عن هذا:
* أن الخلاف حقيقي، وذلك أن الأدلة دلت على أن العمل جزء من الايمان، على أن العمل ركن من أركان الإيمان، فإذا أَخرَجَ أحد هذا الركن عن حقيقة الايمان صار مخالفا في فهم الدليل، وإذا خالف في فهم الدليل وترك فهم أهل السنة والجماعة للدليل فإنه خالف أهل السنة والجماعة في حقيقة تعريف الايمان.