الصفحة 2 من 15

سكون، ولا حركة، ولا زمان، ولا مكان، وأنه تعالى متعال عن جميع صفات خلقه، خارج من الحدين: حد الإبطال، وحد التشبيه، وأنه تعالى شيء وليس كالأشياء، أحد صمد، لم يلد فيورث، ولم يولد فيشارك، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ / الإخلاص:4) ، ولا ند، ولا ضد، ولا شبه، ولا صاحبة، ولا مثل، ولا نظير، ولا شريك، لا تدركه الأبصار والأوهام، وهو يدركها، (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْم / البقرة: من الآية 255) ، وهو اللطيف الخبير، خالق كل شيء، لا إله إلا هو له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين، وغيرها من الصفات التي قررها العلماء في كتب العقائد (3) .

وقد ورد عدد من نصوص القرآن، ظاهرها مخالف لعدد من هذه الصفات، فوجهها المفسرون والنحويون لتتفق والعقيدة الإسلامية.

من ذلك أننا نجد إجماع العلماء على تنزيه الله تعالى عن الزمان والمكان، في حين نجد القرآن الكريم نفسه يستعمل (كان) التي تدل على الزمان داخلة على الذات الإلهية مما يشعر ظاهره بكون هذه الذات خاضعة للزمان، يدلك على ذلك قول الله تعالى: (إن الله كان عليكم رقيبا) (النساء/ 1) و (إن الله كان عليما حكيما) (النساء/11) وغيرها من الآيات الكثيرة في القرآن الكريم. لهذا أخذ المفسرون وأصحاب الاختصاص توجيه هذا التركيب توجيها ينسجم مع تلك المرجعية التي ثبتت في رتبة سابقة.

فعلى سبيل المثال ما نقله الطوسي في قوله تعالى: (إن الله كان عليما حكيما) من اقوال: (( أحدها - قال سيبويه: كان القوم شاهدوا علما: وحكمة، ومغفرة، وتفضلا، فقيل لهم:(إن الله كان عليما حكيما) لم يزل على ما شاهدتم عليه. والثاني - قال الحسن: كان الله عليما بالأشياء قبل حدوثها، حكيما فيما يقدره ويدبره منها. الثالث - قال بعضهم: الخبر عن هذه الأشياء بالمضي، كالخبر بالاستقبال والحال، لان الأشياء عند الله على كل حال فيما مضى وما يستقبل )) (4)

والظاهر أن هذه الأقوال لم تعلل لغويا وجود هذه الظاهرة أي كيفية استعمال (كان) الدالة على انفتاح الزمن، وإنما كان توجيههم كالذي قطع النظر فيه عن الدلالات الحرفية للألفاظ، فضلا عن كونهم أشاروا إلى أمور لم تكن من منطوق النص. كقولهم: (لم يزل على ما شاهدتموه، او قبل حدوثها) ، أو غير ذلك.

ومن ذلك أيضا قول الطبري في قوله تعالى: (إن الله كان عليكم رقيبا) : (( يعني بذلك تعالى ذكره أن الله لم يزل عليكم رقيبا) (5) .

والذي عليه أكثر الأقوال أن ورود (كان) في سياق النص القرآني المتعلق بذكر الصفات الإلهية لم تكن - اغلبها - مستندة إلى اللغة في توجيهاتها لهذا نجد أن هناك تحكما في دلالة (كان) بعيدا عن استعمالها المعهود، وأن المرجعية العقائدية هي المهيمن البارز في هذه التوجيهات بل المعلل أيضا. وهو واضح من كلام صاحب البحر المحيط في تفسير قوله تعالى: (إن الله كان عليكم رقيبا) إذ يقول: (( لا يريد بـ(كان) تقييد الخبر بالمخبر عنه في الزمان الماضي المنقطع في حقه تعالى - وإن كان موضوع (كان) ذلك- بل المعنى: على الديمومة، فهو تعالى رقيب في الماضي وغيره علينا )) (6) .

ومما تقدم يتضح أن أغلب الأقوال لا تتجاوز حدود هذه التصورات والذي نراه أن هذه التوجيهات تجاوزت حدود المنطوق اللغوي وإعلان حاكمية المرجعيات الأخرى غير اللغوية على اللغة دون إعطاء أي مبرر لغوي لذلك، أي ما يمكن أن نعبر عنه: قفز فوق اللغة للوصول إلى المعنى، فكون (لم يزل) ليس بمدلول لغوي لـ (كان) ولم يقلها لغوي قط، وإنما هي نتيجة محصلة من مرجعية عقائدية ثابتة قبل قراءة النص.

وفي مقابل هذه الأقوال نجد أقوالا أخرى تحافظ على المرجعيات الأخرى كالعقائدية مثلا، دون إلغاء المرجعية اللغوية أي هي أقرب ما تكون إلى إيجاد علاقة جدلية بين هاتين المرجعيتين،

ومن بين هذه الأقوال ما ذهب إليه بعض النحويين (7) : أن (كان) هاهنا زائدة،

وإنما أجاز النحويون زيادتها؛ لأنها أشبهت الحروف في أن معناها في غيرها (8) .

،وقد رفضه بعضهم (9) مستدلا بعدم الزيادة في القرآن الكريم، وما ذكره الله إنما كان قاصدا لذكره.

وذكر الزركشي (10) قولا آخر: أن (كان) هنا تامة، وانتصب ما بعدها على الحالية، وضعّفه الأندلسي بأنه بعيد عن الاستعمال العرفي لـ (كان) (11) .

ومن بين أرجح هذه الأقوال المستندة إلى التعليل اللغوي ما ذكره الطوسي في قوله تعالى: (إن الله كان غفورا رحيما) إذ قال: (( إخبار أنه كان غفورا حيث لم يؤاخذهم بما فعلوه وأنه عفا لهم عما سلف ) )ثم عقب قائلا: (( ولا يدل على أنه ليس بغفور فيما بعد بل لأن ذلك معلوم بدلالة أخرى ) ).

ومن ذلك أيضا أن مجيء (كان) الدالة على المضي ها هنا إنما لإفادة تأكيد الخبر لكون المضي يدل على الثبوت والاستقرار خلافا لغيره من الصيغ.

والذي نراه أن (كان) ها هنا لا تدل بنحو الحتمية على ثبوت الزمن الماضي أو أي زمن آخر بل أن هناك إمكانية فيها لقبول زمن ما إذا تضافرت العناصر الدالة على ذلك والتي منها السياق اللغوي وسياق الحال.

وعليه فإن (كان) قد تدل على تقييد الخبر بالمخبر عنه في الزمن الماضي هذا إذا كان مدخولها قابلا لذلك، إما إذا لم يكن قابلا لذلك فإن الدلالة الزمانية في السياق تتغير، وهذا الرأي قريب مما قاله الأصوليون (12) من كون الزمن مدلول هيأة الجملة لا مدلول هيأة الصيغة مع عدم إلغاء ما للصيغة من قابلية على ذلك. وبعبارة ثانية: أن الهيأة دال غير حتمي بل هو قابلية تتفاعل مع السياق لتنتج ما ينسجم معه.

ومما جاء مثيرا للإشكال أيضا قوله تعالى: (وجاء ربك والملك صفا صفا) (الفجر /) إذ أن ظاهرها قد يوحي بنسبة الحركة إلى الله سبحانه وتعالى، فالمجيء لازمه الحركة، وإسناد الفعل إلى هذه الذات المقدسة يحتاج إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت