توجيه بناء على كون المرجعيات العقلية والنقلية تنفي الحركة عن الذات المقدسة لكونها (كيفية مسلتزمة للجسمانية) ، قال الطبرسي: (( جلّ وتقدس عن المجيء والذهاب لقيام البراهين القاهرة والدلائل الباهرة على أنه سبحانه ليس بجسم ) ) (13)
وللعلماء في توجيه الآية الكريمة وأمثالها، أقوال، منها ما يمكن الارتكاز إليه في مقام التعليل اللغوي، إذ قال بعضهم: يجب الوقوف وعدم التأويل وعدم التفسير، موكلا علمها إلى الله سبحانه وتعالى.
ومنهم من حاول اعتماد التقدير أسلوبا للعلاج فرأى أنه جاء ربك أي جاء أمره، وهذا على مذهب السلف كما يذكر ابن الجوزي الحنبلي (14)
ومنهم من حمل المجيء حملا مجازيا، وعليه يكون جاء ربك، أي زالت الشبهة، وإنما كان ذلك كالكناية، يقول الطبرسي: (( أي زالت الشبهة وارتفع الشك كما يرتفع عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه ) ) (15)
وهذا الوجه الذي اعتمده الشيخ إنما ارتكز على (لازم المجيء) الذي هو (الانكشاف) وقد ورد في العربية استعمال الملزوم وإرادة اللازم، وبهذا الرأي تتغير صورة الإسناد، وتغير صورة الإسناد متوقف على القرينة والقرينة هي الدليل العقلي كما يشير الطبرسي.
ولعل الذي نراه راجحا من بين الأقوال ما اختاره (المصطفوي والطباطبائي) من كون أن الحركة ليست من مدلولات المجيء وإنما له معنى أعم من هذا وفي حالة إسناد الذات إليه قد تلزمه الحركة وقد لا تلزمه، فإن كانت الحركة من لوازم تلك الذات دلّ المجيء على قطع المسافة، وإن كانت الذات مجردة عن الحركة فلا دلالة بالمجيء عن الحركة.
وقال الطباطبائي: (( فالمجيء والإتيان الذي هو عندنا قطع الجسم مسافة بينه وبين جسم آخر بالحركة، واقترابه منه إذا جرد من خصوصية المادة كان هو حصول القرب وارتفاع المانع والحاجز بين شيئين من جهة من الجهات ) ) (16) وعلى هذا فإن الإسناد في كلتا الصورتين إسناد حقيقي، ولهذا يقول الطباطبائي: (( وحينئذ صح إسناده إليه تعالى حقيقة من غير مجاز فإتيانه تعالى إليهم ارتفاع الموانع بينهم وبين قضائه فيهم ) ) (17.)
وهذا بناء على مبناه ومبنى الحكماء من أن الألفاظ موضوعة للغايات لا لصورها، كلفظ الميزان الذي وضع للدلالة على إقامة الوزن بغض النظر عن الوسيلة أو صورتها، وعليه فهو حقيقة في ذي الكفتين، وفي المنطق، إذ كلاهما يحقق الغاية.
ومن هذه النصوص قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا / الإسراء:16) .
فظاهر النص القرآني ينسب القبيح إلى الله تعالى - تنزه عن ذلك -؛ لما فيها من تقديم إرادة عذاب القرى قبل وقوع المعاصي , ولتنزيه الله تعالى عن ذلك تم توجيه النص القرآني وجهى تخالف الظاهر، بعد أن ذكروا المانع من ذلك، إذ يقول الطبرسي: (( لما لم يجز في العقول تقديم إرادة العذاب على المعصية؛ لأنه عقوبة عليها ويستحقه لأجلها، فمتى لم توجد المعصية لم يحسن فعل العقاب، وإذا لم يحسن فعله لم تحسن إرادته، اختلفوا في تأويل الآية وتقديرها على وجوه ) ) (18) .
وبذلك تكون نسبة القبيح إلى الله تعالى سببا عقائديا مانعا من حمل النص على ظاهره، ولتوجيهه عقائديا فضلا عن مراعاة الجانب النحوي، اختلفت آراؤهم، ومنها:
أولا: وهو أن يكون المأمور به محذوفا، ولا يجب أن يكون المأمور به هو (الفسق) وإن وقع بعده، فيكون التقدير: أمرناهم بالطاعة فعصوا وفسقوا، وهو اختيار: الفراء (19) ، والزجاج (20) ، وتابعهما العكبري (21) . واستحسنه العديد من المفسرين: كالطبري (22) ، والواحدي (23) ، وابن كثير (24) ، والطبرسي (25) ، وأبي السعود (26) ، والآلوسي (27)
وأنكره الزمخشري مشيرا إلى أن تقدير (الطاعة) في الآية الكريمة علم بالغيب؛ (( لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز، فكيف يحذف ما الدليل قائم على نقيضه، وذلك أن المأمور به إنما حذف؛ لأن(فسقوا) يدل عليه، وهو كلام مستفيض، يقال: أمرته فقام، وأمرته فقرأ، لا يفهم منه إلا أن المأمور به قيام أو قراءة، ولو ذهبت تقدر غيره فقد رمت من مخاطبك علم الغيب. )) (28) .
ولا أرى المحذوف في الآية الكريمة بعيدا إلى حد وصفه علما بالغيب؛ لأن ذكر الضد يدل على الضد، كما أن ذكر النظير يدل على النظير، فذكر (الفسق، والمعصية) يدل على تقدير (الطاعة) ، فيكون نحو: أمرته فأساء إلي، أي: أمرته بالإحسان، بقرينة المقابلة بينهما المعتضدة بالعقل، على أن الله تعالى لا يأمر بالإساءة كما لا يأمر بالفسق (29) .
واستدل أنصار هذا الرأي بأمور أخر تثبت صحة مذهبهم، منها:
أ- الآيات القرآنية التي تنزه الله تعالى عن القبيح، مثل قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء / الأعراف: من الآية 28) ، وقوله تعالى: (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَاد ِ/ غافر: من الآية 31) ، وقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ً/ الإسراء: من الآية 15) .
ب. أن تقدير (الطاعة) في الآية الكريمة مروي عن ابن عباس، وسعيد ابن جبير (رضي الله عنهما) (30) .
ج- (( ويقوي هذا المذهب ورود جوابه بفاء العطف التي تفيد العطف والتعقيب مع الفور ) ) (31)
ثانيا: أن يكون قوله تعالى: (أمرنا مترفيها) من صفة القرية وصلتها، ولا يكون جوابا لقوله تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية) ، فيكون تقدير الكلام: (وإذا أردنا أن نهلك قرية من صفتها أنا أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، وبهذا القول يكون جواب(إذا) محذوفا للاستغناء عنه بما في الكلام من الدلالة عليه.