ثم كان أن توجه بعض التونسيين النازلين بمصر باستفتاء عن هذه الأحداث بتونس؛ وتوجهوا باستفتائهم ذاك إلى بعض علماء الأزهر الفضلاء؛ فكانت فتواهم موافقة لما أفتى به من قبلهم العلماء الآخرون سواءً في مصر أو في تونس. وهنا قامت المطبعة السلفية ومكتبها لصاحبها محب الدين الخطيب بنشر فتوى الشيخ يوسف الدجوي وفتوى لجنة علماء جمعية الهداية الإسلامية برئاسة الشيخ على محفوظ، وقدمت للفتوى بمقدمة تلخص الأحداث التي كانت جارية وقتها بتونس الحبيبة؛ حيث تم نشر الكتاب عام 1352هـ تحت عنوان (الحملة الصليبية على الإسلام في شمال إفريقيا- مسألة تجنيس المسلمين بالجنسية الفرنسية- معلومات قيمة تولَّى تدوينها مكتب الأخبار التونسية ونشرت أولًا في صحيفة الفتح الإسلامية بالقاهرة، 1352هـ) .
وقد اعتمدنا على هذا الكتاب في استخراج وكتابة هذا التمهيد، والذي تليه فتوى الشيخ على محفوظ، ثم فتوى لجنة علماء جمعية الهداية الإسلامية برئاسة الشيخ/ علي محفوظ. وقد أطلنا قليلًا في هذا التمهيد ولكن كان لنا من وراء ذلك عدة أهداف:
1 -إعطاء القارئ صورة عن الخلفية التاريخية للأحداث، والتي بناءً عليها توجه بعض التونسيين باستفتائهم لعلماء الأزهر؛ وإظهار مدى إصرار الحكومات العميلة الكافرة على فرض كفرها على الأمة ولو بقوة العسكر.
2 -بيان صفاء عقيدة التوحيد سواءً عند طلبة العلم الشرعي أو عند رجل الشارع العادي وقت هذه الأحداث؛ وإظهار بساطة ووضوح ردود أفعال الأمة تجاه كل ما يمس دينها ووطنها، وقوة إصرارها دفاعًا عن الحق أمام إصرار الحكومات الكافرة دفاعًا عن الباطل؛ واستعداد الأمة للتضحية بكل ما تملك في سبيل إسلامها.
3 -فضح أساليب الاستعمار الصليبي الغربي في صرف المسلمين عن دينهم وتذويب انتمائهم وتشتيت هويتهم؛ تلك الأساليب التي أورثها الاستعمار عند خروجه من ديار المسلمين إلى طائفة عملية خائنة للأمة من الحكام والأنظمة الكافرة المرتدة والتي تعمل على تحقيق نفس أهداف أسيادهم في الغرب الصليبي، ولو بقوة العسكر المسلحة إذا لزم الأمر.
4 -هتك ستر فقهاء الحكام وأحذية السلاطين الذين لا يزالون في كل مكان وزمان يسكتون عن بيان حكم الله إرضاءً لأسيادهم، ويكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى، ويبيعون دينهم بعرض من الدنيا، مقابل العلماء الربانيين الصابرين المجاهدين الذي يضحون حتى بأنفسهم وأزواجهم في سبيل بيان الحق والدعوة إليه والجهاد في سبيله.
5 -تأكيد أن العالم الإسلامي كله جسد واحد؛ والوطن الإسلامي مهما اختلفت بقاعه فهو وطن للمسلمين جميعًا، فيجب على كل مسلم أن يكون واقفًا على ما يقع في أي بقعة من بقاع وطنه الأكبر؛ ليكون قلبه على اتصال بإخوانه فيشاركهم في آمالهم وآلامهم، وهاهم المسلمون الأبطال في تونس الحبيبة قد دافعوا بما يستطيعون عن دينهم ووطنهم، وصمد علماؤهم الأحرار أمام فقهاء السلاطين وأحذية الحكام، حتى هبَّ إخوانهم العلماء الأحرار في مصر الحبيبة يدعمون إخوانهم في تونس، ويشدون من أزرهم ويدعمون بالحق أقوالهم.
نسأل الله العلي القدير أن ينصر الإسلام والمسلمين في جميع بقاع الأرض، وأن يجمع قلوب المسلمين على الحق، وأن يرفع هامة العلماء الربانيين، وأن يخسف الأرض بفقهاء السلاطين وأحذية الحكام المرتدين وأسيادهم وعساكرهم أجمعين .. آمين .. آمين .. آمين .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.