الصفحة 4 من 15

واستمر الإضراب عن الدروس حيث بارح أكثر طلبة الجامعة العاصمة إمعانًا في الإضراب، وتحقيقًا لعدم العودة إلى الدروس إلى أن يُعزل شيخ الجامعة الذي أفتى في دين الله بغير ما أنزل الله، وهنا عمد شيخ الجامعة ومدير الجامعة الظاهر بن عاشور إلى كتابة مكتوب يحتوي على إعلان الثقة فيه! وسلمه إلى أحد أذنابه يطوف به على المدرسين ويطلب إليهم التوقيع عليه! فامتنعوا عن ذلك، وتبرأ والد هذا الطائف من أعماله وقبحها على صفحات الصحف.

حتى إن المدرسين بالجامع الأعظم قد امتعضوا من سلوك أمثال هذا الشيخ ورجاله نحو دينهم ووطنهم وأردوا أن يرفعوا المعرة، فأجمعوا على وضع فتوى تعارض فتوى هذا العميل وأمثاله، وأظهروا شجاعة كانت مضرب الأمثال؛ لأنهم صرحوا بكل ما يعتقدونه وتعتقده الأمة في شيخ الجامع ومدير الجامعة، ونشروا الفتوى المعارضة التي كان لها صداها على أمير تونس نفسه (الباي) ، والذي تأثر بما جاء فيها وطالب بإلحاح إحداث مقبرة خاصة بالمتجنسين اعتمادًا على الحكم بردتهم وعدم صحة قبول توبتهم.

واتفق أن مات أحد المتجنسين في مدينة بنزرت، فامتنع المسلمون من قبوله في مقابرهم لأنه مرتد بحكم الشرع وبفتوى العلماء؛ إلا إن السلطات امتنعت عن الإصغاء لهذه المعارضة، واستفتت مفتي البلدة الشيخ إدريس الشريف؛ فأفتى (بالردة وعدم الدفن في مقابر المسلمين) ، فنزل هذا الأمر على الحكومة نزول الصاعقة؛ ودفن ذلك المارق في مدافن النصارى الغرباء.

وأشيع في عشية الجمعة أن أحد المتجنسين قد مات بمنطقة نهج الحفير، وأن الحكومة تحاول إخفاء موته لتدفنه في مقابر المسلمين، فتجمهر الناس حول دار هذا الرجل، فخشيت عائلته سخط الجماهير فاستنجدت بالقوة الحاكمة، فأرسلت الشرطة وجنود الدرك المدججة بالسلاح وامتلأت بهم الشوارع في المساء، فزاد حماس الناس وتجمهرهم، ولما خيم الليل وقع الصدام بين القوة والشعب، فأصيب من أصيب، واعتقل من اعتقل، ودارت في شوارع العاصمة وفي الحارات معارك شديدة بالبنادق والمدافع الرشاشة والدبابات!

وتكررت الصدامات بين القوات الحكومية وجماهير المسلمين كلما توفي أحد هؤلاء المتجنسين؛ ووصل الأمر إلى أن القوات الحكومية كانت تحمل جثة المتوفي تحت السيوف والبنادق والرشاشات، وتأتي بأحد عامليها ليغسله ويصلي عليه -وذلك لامتناع المسلمين عن ذلك- ثم تقوم بدفنه في قبر محاط بالأسمنت والحديد المسلح، خوفًا من نبشه بعد دفنه، ثم تقيم عليه حراسة عسكرية!

وكانت إحدى هذه المصادمات قد وقعت يوم وفاة زوجة رئيس جمعية المتجنسين التونسيين المسماة (جمعية المسلمين الفرنسيين) ، وكانت أيضًا متجنسة بالجنسية الفرنسية؛ فقد صمم زوجها على دفنها في مقابر المسلمين تحديًا لهم؛ فاجتمعت حول دارها ليلًا مظاهرة من المسلمين وأنذروا زوجها بأنه لا يمكنهم أن يتركوه يدفنها في مقابر المسلمين، فاستنجد بالحكومة فأنجدته بقوة عسكرية باتت عنده كامل الليل، ومن الغد لم يجدوا من يغسل المرأة؛ لأن الغاسلات المسلمات امتنعن عن غُسلها باعتبارها مرتدة عن الإسلام؛ فصبت عليها إحدى قريباتها الماء وصلى عليها عمها بالدار، ورُفعت على سيارة إلى المقابر ففوجئت بجموع المسلمين المتراصة التي تحمي المقبرة وتمنع هذه المتجنسة من أن تدفن فيها؛ فجاء العسكر كالعادة بالرشاشات والمدافع والدبابات وأخذوا يفرقون الناس بالقوة ويعتقلون أعدادًا منهم، حيث كان الناس قد هدموا القبر الذي أُعد لدفنها وهتفوا ضد مشروع التجنيس ورئيسه الذي هو زوجها، وقام العسكر تحت السيوف وأفواه البنادق والرشاشات بدفن الجثة، وأبقوا فرقة من الجند لتحرسها خوفًا من نبشها!

بل وصل الأمر أنه في إحدى قرى تونس وهي (منزل جميل) ، منع مسلموها متجنسًا من دخول المسجد لأنه عندهم قد ارتد عن دين الإسلام بهذا التجنس؛ فرفع أمره إلى الحاكم -حاكم البلدة- وفي أسرع وقت بل وفي لمح البصر زحف عليها العسكر وأجبروا سكانها على إدخال المتجنس للجامع؛ فتركوه والجامع وأقاموا صلواتهم في أماكن أخرى من البلدة؛ وبقى الجند مرابطًا فيها!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت