إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره؛ ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له؛ ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد،
فقد كان أحد أهداف الاستعمار الصليبي الغربي للعالم الإسلامي -والتي ينوب عن الاستعمار الآن لتحقيقها الأنظمة العلمانية العميلة الكافرة- كان أحد أهم هذه الأهداف هو القضاء على الإسلام ومحو الشخصية الإسلامية لهذا العالم الإسلامي، وما ينبثق عن الإسلام من مقومات ذاتية شخصية تصبغ حياة الناس ولغتهم وآدابهم وثقافتهم في هذه المنطقة من العالم.
وكان من أخبث الوسائل التي اعتمد عليه الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا لبلوغ هذه الغاية -خاصة في المملكة التونسية- خلال القرن الماضي هي مسألة تجنيس سكان هذه البلاد بالجنسية الفرنسية؛ حيث كان من المعلوم أن المتجنس بالجنسية الفرنسية لا يمكن أن يكون لحكومته الإسلامية ولا لأميره المسلم عليه من سبيل؛ بل إنه يتحاكم إلى القانون الفرنسي لا إلى شرع الله، وحتى في أحواله الشخصية -من زواج وإرث وغير ذلك- فإنه لا يحتكم إلى شريعة الإسلام، وإنما يحتكم للقانون المدني الفرنسي الذي تخالف أحكامه بالطبع أحكام الشرع الإسلامي على خط مستقيم، فالزواج بعقد مدني لدى الحاكم الفرنسي، وتعدد الزوجات جناية يعاقب مرتكبها، والطلاق بيد الحاكم ولا يوقعه إلا لأسباب أربعة معينة، والإرث على التساوي بين الذكور والإناث.
والمتجنس زيادة على ذلك يوجب على نفسه برضا واختيار أن يكون جنديًا يقاتل تحت الراية الفرنسية حتى المسلمين أنفسهم، وهذا زيادة عن كون المتجنس يخرج طائعًا مختارًا عن جماعة المسلمين ويوهن قوتهم ويؤيد خصمهم عليهم، ويتسبب خروج هذا في إضعاف سلطان الإسلام في بلاد الإسلام وإزالة أحكامه، وذلك بخروج المتجنسين عن سلطان دولتهم الإسلامية واحتكامهم لغير شريعة الإسلام، مما يقضي على المحاكم الإسلامية ودولة الإسلام في هذه الديار.
وحدث أن تنبه المسلمون بفطرتهم الدينية النقية -قبل أن تلوثها الأنظمة الكافرة الفاجرة الخبيثة فيما بعد- حدث أن تنبه المسلمون إلى هذه المؤامرة ومراميها المجرمة، فتوجهوا إلى علمائهم واستفتوهم عن (حكم المتجنس من نظر الشرع) ، وهنا حجرت الحكومة -حكومة الاحتلال- على العلماء الرسميين الإفتاء وبيان حكم الله في هذا الأمر، وكعادة هؤلاء الرسميين من فقهاء السلاطين وأحذية الحكام، تلك العادة التي لا يزالون يمارسونها حتى يومنا هذا - فقد سكت هؤلاء عن قول الحق، وكتموا ما أنزل الله من البينات والهدى؛ بل وبحثوا عن الجواب الذي يرضي الحكومة.
ولكن العلماء الذين لا يخشون في الله لومة لائم فقد أفتوا (بردة المتجنس وعدم جواز معاملته معاملة المسلمين) ، وكان من هؤلاء الشيخ أحمد عياد، والشيخ التهامي عمار من علماء تونس، وأفتى بذلك أيضًا من علماء مصر الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر سابقًا والشيخ علي سرور والسيد رشيد رضا، بل وذهب الشيخ عبد العزيز جعيط المفتي المالكي بتونس إلى أن توبة المتجنس ورجوعه إلى حظيرة الإسلام معلقة على رجوعه إلى الأحكام الشرعية ومن ثم إلى الجنسية التونسية، وهو أمر مستحيل قانونًا؛ ولذلك امتنع المفتيان الحنفيان لتونس الشيخ حميدة بن مراد، والشيخ محمد بن الخوجة عن الموافقة على الاعتراف بقبول التوبة لاستحالة رجوع المتجنس إلى أحكام الإسلام قانونًا.
وهنا أعلن طلبة جامعة الزيتونة -الجامعة الدينية الكبرى بشمال إفريقيا- وكان عددهم وقتها يُقدر بنحو ثلاثة آلاف وخمسمائة طالب، أنهم قرروا الإضراب عن الدروس إلى أن يتخلى عن إدارة الجامعة الشيخ الطاهر بن عاشور لأنه شارك مع عدد من فقهاء السلطان في إصدار جواب أو فتوى ترضي الحكومة. بل وفي أول جمعة تالية قرر الناس بفطرتهم النقية وحسهم الذكي عدم الاقتداء في الصلاة بجميع الأئمة الذين شاركوا في إصدار هذه الفتوى السلطانية الزائفة؛ وأن لا تُقام الصلاة وراءهم ولا وراء نوابهم بالجوامع التي هم أئمتها؛ فأصبحت خاوية على عروشها؛ وصلى الناس وراء غيرهم صلاة الجمعة.