الزمن الذي خرجت فيه هذه الأحداث، وخرجت خلاله هذه الفتاوى يختلف عن زماننا هذا في حيثية أساسية؛ وهي أن الشمال الإفريقي وقتها -وتونس جزء منها- كانت الشريعة الإسلامية هي الحاكمة، وكان الأمر الطبيعي عند التنازع أمام المحاكم والقضاء هو رد الأمر إلى شريعة الله عز وجل؛ فالسيادة كانت للشريعة الإسلامية التي كانت هي مصدر السلطات وهي الحاكمة على الأمة وليس العكس.
بينما كان الأمر في أوروبا -وفرنسا جزء منها- كان الأمر أن العلمانية هي الحاكمة والسيادة لها وهي مصدر كل سلطة؛ وكان الأمر الطبيعي عند التنازع عندهم هو رد الأمر إلى شريعة البشر، فالسيادة وقتها -وحتى وقتنا الحالي- عندهم هي للأمة التي هي مصدر السلطات، فكان من المعلوم بالضرورة وقتها أن كل من يسعى من المسلمين إلى استخراج جنسية دولة غير مسلمة، فإن ذلك معناه أنه يلتزم بالتحاكم إلى القانون الوضعي لهذه الدولة عن التحاكم إلى الشريعة الإسلامية.
وأما في وقتنا الحالي وبعد أن نجحت القوى العالمية الكافرة وعملاؤها في الساحل الإسلامي في فرض العلمانية بالقوة على الشعوب الإسلامية -بما فيها الشمال الإفريقي- فقد أصبحت الأنظمة الحاكمة على هذه الشعوب أنظمة علمانية كافرة لا تحكم بالشريعة الإسلامية، لا فرق بينها وبين نظيرتها في أوروبا، وأصبحت السيادة فيها للأمة التي هي مصدر السلطات عندهم، وأصبح لا فرق هناك بين من يحمل الجنسية الفرنسية ومن يحمل جنسية أي دولة عربية -تونس أو غيرها- حيث أصبح الحصول على جنسية دولة أوروبية أو غيرها لا دلالة له على عقيدة صاحبها؛ بل تداخلت حيثيات أخرى كثيرة في هذا الحكم.
إن هذه الفتوى تُعد نموذجًا لجلاء قضية وجوب التحاكم إلى شرع الله، وأن هذا التحاكم ركن من أركان التوحيد؛ لا يختلف عليه العلماء المعتبرون، مهما كان مذاهبهم أو اتجاههم، فهؤلاء العلماء الأزهريون معروف عنهم التمذهب، ومعروف عنهم التصوف، ومع ذلك كان خطابهم واضحًا صريحًا في هذه القضية، فيا ليت العلماء والشيوخ المعاصرين يقتدون بأمثال هؤلاء الرموز والهامات.