لكن نستأنس أيضًا بقول الإمام الحافظ، حافظ المغرب والمشرق، الإمام العظيم ابن عبد البر، توفي سنة أربعمائة وثلاثة وستين هجريًا تقريبًا، صاحب كتاب (التمهيد والاستذكار) ؛ هذا فحل من فحول الإسلام, فالإمام ابن عبد البر في كتابه (التمهيد) يقول:"أجمع أهل الفقه والحديث، على أن الإيمان قولٌ وعملٌ، ولا عمل إلا بالنية -النية يقصد القلب-، فلا بد من الثلاثة؛ والإيمان عندهم يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان، إلا ما ذُكر عن أبي حنيفة وأصحابه: فإنهم ذهبوا إلى أن الطاعات لا تُسمى إيمانًا"؛ هذه مسألة أخرى، سنتكلم عن مرجئة الفقهاء في هذا الموضوع فيما بعد؛ لنثبّت المعلومة، أن الذي نقوله ليس بدعًا ولا أقوال شاذة، هذا كلام أهل السنة الكبار، وهذا الكلام منسوب إلى الصحابة؛ هذه آيات الله، أن الإيمان قولٌ، وعملٌ، وتصديقٌ بالقلب، وإقرارٌ بالقلب، أو تصديقٌ مخصوص، هذا هو الذي نقوله.
ألخص لكم المسألة كالآتي: قلنا هناك فرقتان؛ يجب أن نعلم هذا، فرقتان مقابلتان لبعضهما البعض، لا يجتمعان، الجهمية والكرّامية، الجهمية أتباع الجهم بن صفوان، ماذا قالوا في الإيمان؟ حتى نبسط المسألة في موضوع المرجئة.
الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه (مقالات الإسلاميين) عدَّ الجهمية من ضمن فرق المرجئة؛ لأنهم يتفقون معهم في أشياء. لكن الجهمية يعتبرون الإيمان هو ماذا؟ هو المعرفة القلبية فقط، لا يعترفون بالقول باللسان، ولا يعترفون بالأعمال أصلًا، ولذلك لا يعترفون بالصلوات، ولا من يخالف هذه الأعمال، لا علاقة لها بالإيمان عندهم؛ المهم أن تؤمن، لذلك غلاتهم وصفوا إبليس بأنه مؤمن، لماذا؟ لأنه يعرف ربه: {قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} ؛ إذًا هو يعرف ربه، فإبليس مؤمن في نظرهم؛ لكنه في الأثر استكبر، وغيره مسائل أخرى. لذلك وصفوه بهذا، ولهذا لم يصفه به أحد، لماذا؟ لأنهم اعتمدوا على التعريف اللغوي؛ الذي هو الإيمان بمعنى التصديق فقط، كأنه يقول: أنا أصدق أن الله تعالى هو الخالق، والذي أرسل الرسل وخلاص انتهى، في قلبه فقط؛ لذلك لا يشترط الجهمية أن تتكلم بلسانك، ولا حتى يشترطون أنك تشهد (أن لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله) أصلًا.
عكس هذه الفرقة، فرقة في مقابل الجهمية، طبعًا هم لهم أصول وأشياء كثيرة، أنا فقط أختار مسألة متعلقة بموضوع الإيمان، لهم أشياء في الأسماء والصفات، وينكرون صفات الله سبحانه؛ أرادوا أن يُنزهوا الله فعبدوا معدمًا، قالوا: الله -سبحانه وتعالى- لم يُكلم موسى تكليمًا، هذه أسماء مجوفة؛ حين نقول: (الله الحي القيوم) ، قالوا: عبارة عن مصطلحات جوفاء، حي ليس بحياة، كل الصفات نزعوها من الله -سبحانه وتعالى-، بزعم التنزيه!