فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 294

وقد ثبت في الأحاديث أنه يأتي قوم يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها، وصدق صلى الله عليه وسلم فإنه قد أتى طوائف من الفسقة يشربون الخمر ويسمونها نبيذًا، وأول من سمى ما فيه غضب الله وعصيانه بالأسماء المحبوبة عند السامعين إبليس لعنه الله، فإنه قال لأبي البشر آدم عليه السلام (يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى) فسمى الشجرة التي نهى الله تعالى آدم عن قربانها شجرة الخلد جذبًا لطبعه إليها، وهزًا لنشاطه إلى قربانها وتدليسًا عليه بالاسم الذي اخترعه لها، كما يسمي إخوانه المقلدون الحشيشة بلقمة الراحة، وكما يسمي الظلمة ما يقبضونه من أموال عباد الله ظلمًا وعدوانًا (أدبًا) فيقولون أدب القتل، أدب السرقة، أدب التهمة، بتحريف اسم الظلم إلى اسم الأدب كما يحرفونه في بعض المقبوضات إلى اسم النفاعة، وفي بعضها إلى اسم السياقة، وفي بعضها أدب المكاييل والموازين. وكل ذلك اسمه عند الله ظلم وعدوان كما يعرفه من شم رائحة الكتاب والسنة، وكل ذلك مأخوذ عن إبليس حيث سمى الشجرة المنهي عنها شجرة الخلد.

وكذلك تسمية القبر مشهدًا، ومن يعتقدون فيه وليًا؛ لا يخرجه عن اسم الصنم والوثن، إذ هم معاملون لها معاملة المشركين للأصنام، ويطوفون بهم طواف الحجاج ببيت الله الحرام، ويستلمونهم استلامهم لأركان البيت، ويخاطبون الميت بالكلمات الكفرية من قولهم: على الله وعليك، ويهتفون بأسمائهم عند الشداد ونحوها، وكل قوم لهم رجل ينادونه، فأهل العراق يهتفون باسمه ويقولون يا زيلعي يا ابن العجيل، وأهل مكة وأهل الطائف: يا ابن العباس، وأهل مصر يا رفاعي -يا بدوي- والسادة البكرية، وأهل الجبال يا أبا طير، وأهل اليمن يا ابن علوان. وفي كل قرية أموات يهتفون بهم وينادونهم ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضر وهو بعينه فعل المشركين في الأصنام كما قلنا في الأبيات النجدية:

أعادوا بها معنى سواع ومثله ... / ... يغوث وود ليس ذلك من ودي

وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... / ... كما يهتف المضطر [1] الفرد

وكم نحروا في سوحها من نحيره ... / ... أهلت لغير الله جهلًا على عمد

وكما طائف حول القبور مقبلًا ... / ... ويلتمس الأركان منهن بالأيدي

فإن قال إنما نحرت لله وذكرت اسم الله عليه، فقل إن كان النحر لله فلأي شيء قربت ما تنحره من باب مشهد من تفضله وتعتقد فيه؟ هل أردت بذلك تعظيمه؟ إن قال نعم، فقل له هذا النحر لغير الله بل أشركت مع الله تعالى غيره، وإن لم ترد تعظيمه فهل أردت توسيخ باب المشهد وتنجيس الداخلين إليه؟ أنت تعلم يقينًا أنك ما أردت ذلك أصلًا ولا أردت إلا الأول ولا خرجت من بيتك إلا قصده، ثم كذلك دعائهم له، فهذا الذي عليه هؤلاء شرك بلا ريب.

وقد يعقتدون في بعض فسقة الأحياء، وينادونهم في الشدة والرخاء، وهو عاكف على القبائح لا يحضر حيث أمر الله عباده المؤمنين بالحضور هناك، ولا يحضر جمعة ولا جماعة، ولا يعود مريضًا ولا يشيع جنازة، ولا يكتسب حلالًا، ويضم إلى ذلك دعوى التوكل وعلم الغيب، ويجلب إليه إبليس جماعة قد عشش في قلوبهم وباض فيها وفرخ، ويصدقون بهتانه، ويعظمون شأنه، ويجعلون هذا ندًا لرب العالمين ومثلًا. فيا للعقول أين ذهبت؟ ويا للشرائع كيف جهلت؟ (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ) .

فإن قلت: أفيصير هؤلاء الذين يعتقدون في القبور والأولياء والفسقة والخلعاء مشركين كالذين يعتقدون في الأصنام؟

قلت: نعم قد حصل منهم ما حصل من أولئك وساووهم في ذلك، بل زادوا في الاعتقاد والانقياد والاستعباد، فلا فرق بينهم.

(1) هنا نقص وهو (بالصمد الفرد) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت