فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 294

فلما تقرر معنى الإله وأنه المعبود تعين علينا معرفة حقيقة العبادة وحدَّها، فعرفها بعضهم بأنها ما أمر به شرعًا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي. وقال بعضهم: هي كمال الحب مع كمال الخضوع وهذا يستلزم طاعة المحبوب والانقياد له.

وقال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله تعالى: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة كالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبرّ الوالدين وصلة الأرحام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعاء والذكر وقراءة القرآن وأمثال ذلك من العبادة.

فالدين كله داخل العبادة، فإذا علم الإنسان وتحقق معنى الإله وأنه المعبود وعرف حقيقة العبادة تبين له أن من جعل شيئًا من العبادة لغير الله فقد عبده واتخذه إلهًا وإن فر من تسميته معبودًا أو إلهًا وسمى ذلك توسلًا وتشفعًا والتجاء ونحو ذلك.

فالمشرك مشرك شاء أم أبى، كما أن المرابي مراب شاء أم أبى وان لم يسم ما فعله ربا، وشارب الخمر شارب للخمر وإن سماها بغير اسمها، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:"يأتي ناس من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها"فتغير الاسم لا يغير حقيقة المسمى ولا يزيل حكمه كتسمية البوادي سوالفهم الباطلة حقًا وتسمية الظلمة ما يأخذونه من الناس بغير اسمه.

ولما سمع عدي بن حاتم وهو نصراني قول الله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لسنا نعبدهم. فقال:"أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه"قال قلت بلى، قال:"فتلك عبادتهم"فعدي رضي الله عنه ما كان يحسب أن موافقتهم فيما ذكر عبادة منهم فأخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك عبادة منهم لهم مع أنهم لا يعتقدونه عبادة لهم، وكذلك ما يفعله عباد القبور من دعاء أصحابها وسؤالهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات والتقرب إليهم بالذبائح والنذور عبادة منهم للمقبورين وإن كانوا لا يسمونه ولا يعتقدونه عبادة. وكذلك الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل لنا ذات أنواط، ما كانوا يظنون أن قولهم أجعل لنا ذات أنواط كقول بني إسرائيل اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، ولم يظنوا أن هذا من التأله لغير الله الذي تنفيه لا إله إلا الله لأنهم يقولون لا إله إلا الله ويعرفون معناها لأنهم عرب، لكن خفيت عليهم هذه المسألة لحداثة عهدهم بالكفر حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم:"الله أكبر، إنها السنن. قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون. لتركبن سنن من كان قبلكم".

فإن قيل: فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكفرهم بذلك؟ قلنا: هذا يدل على أن من تكلم بكلمة كفر جاهلًا بمعناها ثم نبه فتنبه أنه لا يكفر، ولا شك أن هؤلاء لو اتخذوا ذات أنواط بعد إنكار النبي صلى الله عليه وسلم عليهم لكفروا. وقال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ، وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ) الآية. الضمير في قوله (وَجَعَلَهَا) راجع لقوله (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ،(إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) قال مجاهد وقتادة: هي شهادة أن لا إله إلا الله، فلا يزال في ذرية إبراهيم من يعبد الله وحده، ففي الآية والحديثين قبلها بيان لمعنى لا إله إلا الله وأن المراد منها البراءة من التأله والعبادة لغير الله وإفراده سبحانه بالعبادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت