فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 402

إذًا فقد ثبت بهذا الحديث الشريف أن الرجل قد ينطق بكلمة المعصية أو الكفر غير قاصد أن يعصي أو يكفر، فلا يعذر بعدم القصد.

يقول القاضي عياض فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني عند شرحه لهذا الحديث:

"يحتمل أن تكون تلك الكلمة من الخنا والرفث، وأن تكون في التعريض بالمسلم بكبيرة، أو بمجون، أو استخفاف بحق النبوة والشريعة؛ وإن لم يعتقد ذلك ..." [1] .

والشاهد من كلام القاضي الذي سبق نقله هو قوله:".. أو استخفاف بحق النبوة والشريعة"ولا شك أن ذلك كفر بالإجماع، وقد قال القاضي بعد ذلك:"وإن لم يعتقد ذلك"فلم يعتبر رحمه الله عدم القصد عذرًا له.

وقد استدل العلماء بهذا الحديث على عدم اعتبار القصد، فهذا الإمام ابن تيمية عندما يتكلم عن عدم القصد في مسألة الساب يستدل بهذا الحديث الذي قد تقدم فيقول:"فقد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف على أن التنقص له كفر مبيح للدم، وهم في استتابته على ما تقدم من الخلاف، ولا فرق في ذلك بين أن يقصد عيبه لكن المقصود شيء آخر حصل السب تبعًا له، أو لا يقصد شيئًا من ذلك، بل يهزل ويمزح أو يفعل غير ذلك، فهذا كله يشترك في هذا الحكم إذا كان القول نفسه سبا، فإن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب، ومن قال ما هو سب وتنقص له فقد آذى الله ورسوله، وهو مأخوذ بما يؤذي به الناس من القول الذي هو في نفسه أذى وإن لم يقصد أذاهم ألم تسمع إلى الذين قالوا: (إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) [التوبة: 65] فقال الله تعالى: (أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) " [2] .

وهذا الإمام ابن كثير عندما يتكلم عن تفسير قوله تعالى: (أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) [الحجرات: 2] فيقول:

"وقوله -عز وجل- (أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) أي: إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك؛ فيغضب الله لغضبه؛ فيحبط عمل من أغضبه،"

(1) - فتح الباري (11/ 317) ط/ الريان.

(2) - الصارم المسلول (ص527 - 528) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت