ويقول ابن تيمية: وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له، لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة، فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه ودليله ومعلوله.
كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضًا تأثير فيما في القلب، فكل منهما يؤثر في الآخر، لكن القلب هو الأصل والبدن فرع له، والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه.
كما في الشجرة التي يضرب بها المثل لكلمة الإيمان، قال تعالى: (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) (إبراهيم: 24، 25) . وهي كلمة التوحيد، والشجرة كلما قوى أصلها وعرق وروى قويت فروعها، وفروعها أيضًا إذا اغتذت بالمطر والريح أثر ذلك في أصلها. وكذلك الإيمان في القلب والإسلام علانية، ولما كانت الأقوال والأعمال الظاهرة لازمة ومستلزمة للأقوال والأعمال الباطنة كان يستدل بها عليها"اهـ [1] ."
* ومن كلام شيخ الإسلام في المواضع السابقة -وفي غيرها- ومن كلام غيره من أئمة أهل السنة، نستطيع أن نخرج بعدة أمور هامة تتعلق بهذه القاعدة، قاعدة ارتباط الظاهر بالباطن والعلاقة بينهما عند أهل السنة والجماعة:
أولًا: أن الإيمان أصله في القلب، وأصل الإيمان الذي في القلب هو:
-قول القلب من المعرفة والعلم والتصديق.
-وعمل القلب من الإذعان والانقياد والاستسلام.
ثانيًا: أن الإيمان وإن كان أصله في القلب من قول وعمل، إلا أن لوازم ذلك من قول وعمل الجوارح لا بد من تحققها في الظاهر إذا تحقق ملزومها الذي في القلب، فالظاهر لا يتخلف عن باطنه ولا يضاده.
ثالثًا: كلما حسن الملزوم الذي في القلب كلما حسن اللازم الذي في الظاهر، والعكس صحيح. فكلما فسد الملزوم فسد اللازم.
(1) الإيمان الأوسط، ص83 - 85.