الصفحة 101 من 237

فقد أخبر أنهم كفروا بعد إيمانهم مع قولهم: إنا تكلمنا بالكفر من غير اعتقاد له، بل كنا نخوض ونلعب. وبيّن أن الاستهزاء بآيات الله كفر، ولا يكون هذا إلا ممن شرح صدره بهذا الكلام، ولو كان الإيمان في قلبه منعه أن يتكلم بهذا الكلام"اهـ [1] ."

ويقول شيخ الإسلام:"فمن قال بلسانه كلمة الكفر من غير حاجة، عامدًا لها، عالمًا أنها كلمة كفر [2] ، فإنه يكفر بذلك ظاهرًا وباطنًا، ولا يجوز أن يقال: إنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنًا. ومن قال ذلك فقد مرق من الإسلام."

قال سبحانه: (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل: 106) .

ومعلوم أنه لم يرد بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط، لأن ذلك لا يكره الرجل عليه، وهو قد استثنى من أكره ولم يرد من قال واعتقد، لأنه استثنى المكره وهو لا يكره على العقد والقول، وإنما يكره على القول فقط، فعلم أنه أراد من تكلم بكلمة الكفر فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم وأنه كافر بذلك، إلا من أكره وهو مطمئن بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدرًا من المكرهين فإنه كافرًا أيضًا، فصار من تكلم بالكفر كافرًا، إلا من أكره فقال بلسانه كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان.

وقال تعالى في حق المستهزئين: (لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (التوبة: 66) .

فبين أنهم كفار بالقول مع أنهم لم يعتقدوا صحته، وهذا باب واسع، والفقه فيه ما تقدم من أن التصديق بالقلب يمنع إرادة التكلم وإرادة فعل فيه استهانة واستخفاف، كما أنه يوجب المحبة والتعظيم، واقتضاؤه وجود هذا وعدم هذا أمر جرت به سنة الله في مخلوقاته، كاقتضاء إدراك الموافق للذّة وإدراك المخالف للألم.

فإذا عدم المعلول كان مستلزمًا لعدم العلة، وإذا وجد الضد كان مستلزمًا لعدم الضد الآخر. فالكلام والفعل المتضمن للاستخفاف والاستهانة مستلزم لعدم التصديق النافع ولعدم الانقياد والاستسلام فلذلك كان كفرًا.

(1) الإيمان، ص207، 208.

(2) يقول ابن تيمية في موضع آخر:"وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر، كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافرًا، إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله"اهـ. الصارم المسلول، ص177.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت