الصفحة 100 من 237

وظاهر هذا المرء صالح في الحالين ملتزم بأمر الشرع غير حائد عنه، فالشرع الذي يأمره بإظهار الإيمان في الأحوال العادية هو نفسه الذي يأمره بإخفائه أو إظهار عكسه في حال الإكراه.

أما إذا انعدم الإكراه فلم يظهر الإيمان -أو أظهر الكفر- فلا بد أن يكون الباطن فاسدًا والقلب منشرحًا بالكفر.

يقول ابن تيمية:"ونظير هذا لو قيل: إن رجلًا من أهل السنة قيل له: ترضّ عن أبي بكر وعمر. فامتنع عن ذلك حتى قتل مع محبته لهما واعتقاده فضلهما ومع عدم الأعذار المانعة من الترضي عنهما، فهذا لا يقع قط. وكذلك لو قيل: إن رجلًا يشهد أن محمدًا رسول الله باطنًا وظاهرًا وقد طلب منه ذلك، وليس هناك رهبة ولا رغبة يمتنع لأجلها، فامتنع منها حتى قتل، فهذا يمتنع أن يكون في الباطن يشهد أن محمدًا رسول الله."

ولهذا كان القول الظاهر من الإيمان الذي لا نجاة للعبد إلا به عند عامة السلف والخلف من الأولين والآخرين إلا الجهمية -جهمًا ومن وافقه- فإنه إذا قدر أنه معذور لكونه أخرس، أو لكونه خائفًا من قوم إن أظهر الإسلام آذوه ونحو ذلك، فهذا يمكن أن لا يتكلم مع الإيمان في قلبه، كالمكره على كلمة الكفر، قال الله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل: 106) . وهذه الآية مما يدل على فساد قول جهم، فإنه -أي الله عز وجل- جعل كل من تكلم بالكفر من أهل وعيد الكفار، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.

فإن قيل: فقد قال تعالى: (وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا) ، قيل: وهذا موافق لأولها، فإنه من كفر من غير إكراه، فقد شرح بالكفر صدرًا، وإلا تناقض أول الآية وآخرها. ولو كان المراد بمن كفر هو الشارح صدره -وذلك يكون بلا إكراه- لم يستثن المكره فقط، بل كان يجب أن يستثنى المكره وغير المكره إذا لم يشرح صدره، وإذا تكلم بكلمة الكفر طوعًا، فقد شرح بها صدرًا وهي كفر.

وقد دل على ذلك قوله تعالى: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ، وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) (التوبة: 64 - 66) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت