يؤخرون الصلاة عن وقتها وذلك ترك المحافظة عليها لا تركها وإذا عرف الفرق بين الأمرين فالنبى صلى الله عليه وسلم إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها لا من ترك، ونفس المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها ولا يتناول من لم يحافظ فإنه لو تناول ذلك قتلوا كفارا مرتدين بلا ريب.
ولا يتصور في العادة أن رجلا يكون مؤمنا بقلبه مقرا بأن الله أوجب عليه الصلاة ملتزما لشريعة النبى صلى الله عليه وسلم وما جاء به يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمنا في الباطن قط لا يكون إلا كافرا ولو قال أنا مقر بوجوبها غير أنى لا أفعلها كان هذا القول مع هذه الحال كذبا منه كما لو أخذ يلقي المصحف في الحش ويقول أشهد أن ما فيه كلام الله أو جعل يقتل نبيا من الأنبياء ويقول أشهد أنه رسول الله ونحو ذلك من الأفعال التى تنافى إيمان القلب، فإذا قال أنا مؤمن بقلبى مع هذه الحال كان كاذبا فيما أظهره من القول.
فهذا الموضع ينبغي تدبره فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب وعلم أن من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل أو يقتل مع إسلامه فإنه دخلت عليه الشبهة التى دخلت على المرجئة والجهمية والتى دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل، ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان وأن الأعمال ليست من الإيمان وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزء من الإيمان كما تقدم بيانه، وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب فإن كثيرا من الناس بل أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس ولا هم تاركيها بالجملة بل يصلون أحيانا ويدعون أحيانا فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق وتجري عليم أحكام الاسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام فإن هذه الاحكام إذا جرت على المنافق المحض كإبن أبي وأمثاله من المنافقين فلأن تجري على هؤلاء أولى وأحري، وبيان هذا الموضع مما يزيل الشبهة فإن كثيرا من الفقهاء يظن أن من قيل هو كافر فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة فلا يرث ولا يورث ولا يناكح حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من أهل البدع، وليس الأمر كذلك فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ثلاثة أصناف مؤمن وكافر مظهر للكفر ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر، وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات بل من لا يشكون في نفاقه ومن نزل القرآن ببيان نفاقه كإبن أبى وأمثاله، ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه وكانت تعصم دماؤهم حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته، ولما خرجت الحرورية على علي بن ابي طالب رضي الله عنه واعتزلوا جماعة المسلمين قال لهم إن لكم علينا أن لا نمنعكم المساجد ولا نمنعكم نصيبكم من الفئ فلما استحلوا قتل المسلمين وأخذ أموالهم قاتلهم بأمر النبى صلى الله عليه اهـ.
وقال ابن حزم في الفصل في الملل 3/ 128 إلا أن بين السلف منهم والخلف اختلافا في تارك الصلاة عمدا حتى يخرج وقتها، وتارك الصوم لو مضى كذلك