الصفحة 87 من 148

55 ـ باب متى تقبل توبة المنافق؟

قال ابن تيمية في الصارم المسلول 3/ 646 وما بعدها: وايضا فإن سبه او شتمه ممن يظهر الاقرار بنبوته دليل على فساد اعتقاده وكفره به بل هو دليل على الاستهانة به والاستخفاف بحرمته فإن من وقر الايمان في قلبه والايمان موجب لاكرامه واجلاله لم يتصور منه ذمه وسبه والتنقص به وقد كان من اقبح المنافقين نفاقا من يستخف بشتم النبي كما روي عن ابن عباس قال: كان رسول الله جالسا في ظل حجرة من حجر نسائه في نفر من المسلمين قد كان تقلص عنهم الظل فقال (سيأتيكم انسان ينظر بعين شيطان فلا تكلموه) فجاء رجل ازرق فدعاه النبي فقال (علام تشتمني انت وفلان وفلان ودعاهم بأسمائهم) فانطلق فجاء بهم فحلفوا له واعتذروا اليه فانزل الله تبارك وتعالى (يحلفون لكم لترضوا عنهم) الاية رواه ابو مسعود بن الفرات ورواه الحاكم في صحيحه وقال فأنزل الله تعالى (يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له) الاية واذا ثبت انه كافر مستهين به فإظهار الاقرار برسالته بعد ذلك لا يدل على زوال الكفر والاستهانة لان الظاهر انما يكون دليلا صحيحا معتمدا اذا لم يثبت ان الباطن بخلافه فاذا قام دليل على الباطن لم يلتفت الى ظاهر قد علم ان الباطن بخلافه.

ولهذا اتفق العلماء على انه لا يجوز للحاكم ان يحكم بخلاف علمه وان شهد عنده بذلك العدول ويجوز له ان يحكم بشهادتهم اذا لم يعلم خلافها وكذلك ايضا لو اقر اقرارا علم انه كاذب فيه مثل ان يقول لمن هو اكبر منه هذا ابني لم يثبت نسبه ولا ميراثه باتفاق العلماء وكذلك الادلة الشرعية مثل خبر العدل الواحد ومثل الامر والنهي والعموم والقياس يجب اتباعها الا ان يقوم دليل اقوى منها يدل على ان باطنها مخالف لظاهرها ونظائر هذا كثيرة فاذا علمت هذا، فنقول هذا الرجل قد قام الدليل على فساد عقيدته وتكذيبه به واستهانته له فإظهاره الاقرار برسالته الان ليس فيه اكثر مما كان يظهره قبل هذا وهذا القدر بطلت دلالته فلا يجوز الاعتماد عليه وهذه نكتة من لايقبل توبة الزنديق وهو مذهب اهل المدينة ومالك واصحابه والليث بن سعد وهو المنصور من الروايتين عن ابي حنيفة وهو احدى الروايات عن احمد نصرها كثير من اصحابه وعنهما انه يستتاب وهو المشهور عن الشافعي وقال ابو يوسف آخرا اقتله من غير استتابة لكن ان تاب قبل ان اقتله قبلت توبته وهذا ايضا الرواية الثالة عن احمد وعلى هذا المأخذ فاذا كان الساب قد تكرر منه السب ونحوه مما يدل على الكفر اعتضد السبب بدلالات اخر من الاستخفاف بحرمات الله والاستهانة بفرائض الله ونحو ذلك من دلالات النفاق والزندقة كان ذلك ابلغ في ثبوت زندقته وكفره وفي ان لا يقبل منه مجرد ما يظهر من الاسلام مع ثبوت هذه الامور وما ينبغي ان يتوقف في قتل مثل هذا وفي ان لايسقط عنه القتل بما يظهر من الاسلام اذ توبة هذا بعد اخذه لم تجدد له حالا لم تكن قبل ذلك فكيف تعطل الحدود بغير موجب.

نعم لو انه قبل رفعه الى السلطان ظهر منه من الاقوال والاعمال ما يدل على حسن الاسلام وكف عن ذلك لم يقتل في هذه الحال وفيه خلاف بين اهل هذا القول سيأتي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت