قال ابن القيم في الطبقة السادسة عشرة من كتابه طريق الهجرتين: فصل وغلظ الكفر الموجب للعذاب يكون من ثلاثة أوجه:
أحدها من حيث العقيدة الكافرة في نفسها كمن جحد رب العالمين بالكلية وعطل العالم عن الرب الخالق المدبر له فلم يؤمن بالله وملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا اليوم الآخر ولهذا لا يقر أرباب هذا الكفر بالجزية عند كثيرمن العلماء ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم اتفاقا لتغلظ كفرهم وهؤلاء هم المعطلة والدهرية وكثير من الفلاسفة وأهل الوحدة القائلين بأنه لا وجود للرب سبحانه وتعالى غير وجود هذا العالم.
الجهة الثانية تغلظه بالعناد والضلال عمدا على بصيرة ككفر من شهد قلبه أن الرسول حق لما رآه من آيات صدقه وكفر عنادا وبغيا كقوم ثمود وقوم فرعون واليهود الذين عرفوا الرسول كما عرفوا أبناءهم وكفر أبي مجهل وأمية بن أبي الصلت وأمثال هؤلاء.
الجهة الثالثة السعي في إطفاء نور الله وصد عباده عن دينه بما تصل إليه قدرتهم فهؤلاء أشد الكفار عذابا بحسب تغلظ كفرهم ومنهم من يجتمع في حقه الجهات الثلاث ومنهم من يكون فيه جهتان منها أو واحدة فليس عذاب هؤلاء كعذاب من هو دونهم في الكفر ممن هو ملبوس عليه لجهله والمؤمنون من أذاه في سلامة لا ينالهم منه أذى ولم يتغلظ كفره كتغلظ هؤلاء بل هو مقر بالله ووحدانيته وملائكته وجنس الكتب والرسل واليوم الآخر وإن شارك أولئك في كفرهم بالرسول فقد زادوا عليه أنواعا من الكفر وهل يستوي في النار عذاب أبي طالب وأبي لهب وأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وأبي بن خلف وأضرابهم) وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (أهون أهل النار عذابا أبو طالب ومعلوم أن كفر أبي طالب لم يكن مثل كفر أبي جهل وأمثاله اهـ
فصل
في تنوعه باعتبار التابع والمتبوع
قال ابن القيم في اجتماع الجيوش 1/ 31 والمقصود أن هؤلاء المنافقين قسمان أئمة وسادة يدعون إلى النار وقد مردوا على النفاق وأتباع لهم بمنزلة الأنعام والبهائم فأولئك زنادقة مستبصرون وهؤلاء زنادقة مقلدون فهؤلاء أصناف بني آدم في العلم والإيمان ولا يجاوز هذه السنة اللهم إلا من أظهر الكفر وأبطن الايمان كحال المستضعف بين الكفارالذي تبين له الاسلام ولم يمكنه المهاجرة بخلاف قومه ولم يزل هذا الضرب في الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده وهؤلاء عكس المنافقين من كل وجه
وعلى هذا فالناس إما مؤمن ظاهرا وباطنا وإما كافرا ظاهرا وباطنا أو مؤمن ظاهرا كافر باطنا أو كافر ظاهرا مؤمن باطنا والأقسام الأربعة قد اشتمل عليها الوجود وقد بين القرآن أحكامها فالأقسام الثلاثة الأول ظاهرة وقد اشتمل عليها أول سورة البقرة، ثم قال: فصل في القسم الرابع من هؤلاء أيضا وأما القسم الرابع ففي قوله تعالى (فلولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لهم تعلموهم أن تطؤهم) فهؤلاء كانوا يكتمون إيمانهم في قومهم ولا يتمكنون من إظهاره ومن هؤلاء مؤمن آل وال