والثالث: إذا خاصم فجر ويعني بالفجور أن يخرج عن الحق عمدا حتى يصير الحق باطلا والباطل حقا وهذا مما يدعو إليه الكذب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار) وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم) وقال صلى الله عليه وسلم (إنكم لتختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي على نحو مما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار) وقال صلى الله عليه وسلم (إن من البيان لسحرا) فإذا كان الرجل ذا قدرة عند الخصومة سواء كانت خصومته في الدين أو في الدنيا على أن ينتصر للباطل ويخيل للسامع أنه حق ويوهن الحق ويخرجه في صورة الباطل كان ذلك من أقبح المحرمات وأخبث خصال النفاق.
وفي سنن أبي داود عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع) وفي رواية له أيضا (ومن أعان على خصومة بظلم فقد باء بغضب من الله) .
الرابع: إذا عاهد غدر ولم يف بالعهد وقد أمر الله بالوفاء بالعهد فقال (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) وقال (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) وقال (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به) وفي رواية (إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال ألا هذه غدرة فلان) وخرجاه أيضا من حديث أنس بمعناه وخرج مسلم من حديث أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لكل غادر لواء) الحديث.
والغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره ولو كان المعاهد كافرا ولهذا في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم (من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما) خرجه البخاري وقد أمر الله تعالى في كتابه الوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا على عهودهم ولم ينقضوا منها شيئا وأما عهود المسلمين فيما بينهم بالوفاء بها أشد ونقضها أعظم إثما ومن أعظمها نقض عهد الإمام على من تابعه ورضي به وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) فذكر منهم (ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه ما يريد وفي له وإلا لم يف له) ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها ويحرم الغدر جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها و كذلك ما يجب الوفاء به لله عز وجل مما يعاهد العبد ربه عليه من نذرا لتبرر ونحوه.
الخامس: الخيانة في الأمانة فإذا اؤتمن الرجل أمانة فالواجب عليه أن يردها كما قال تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (أد الأمانة إلى من ائتمنك) وقال في خطبته في حجة الوداع (من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها) قال الله عز وجل (يا آيها الذين