الصفحة 68 من 148

أمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون) فالخيانة في الأمانة من خصال النفاق وفي حديث ابن مسعود من قوله وروى مرفوعا (القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب إلا الأمانة يؤتي بصاحب الأمانة فيقال له أد أمانتك فيقول من أين يا رب وقد ذهبت الدنيا فيقول اذهبوا به إلى الهاوية فيهوي حتى ينتهي إلى قعرها فيجدها هناك كهيئتها فيحملها فيضعها على عنقه فيصعد بها في نار جهنم حتى إذا رأي أنه قد خرج منها زلت فهوي فيهوي هو في أثرها أبد الآبدين) قال والأمانة في الصلاة والأمانة في الصوم والأمانة في الحديث وأشد من ذلك الودائع.

وقد روى عن محمد بن كعب القرظي أنه استنبط ما في هذا الحديث أعني حديث (آية المنافق ثلاث) من القرآن وقال مصداق ذلك في كتاب الله تعالى (إذا جاءك المنافقون ـ إلى قوله ـ والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) وقال تعالى (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ـ إلى قوله ـ فأعقبهم نقاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) وقال (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال ـ إلى قوله ـ ليعذب الله المنافقين) وروى عن ابن مسعود نحو هذا الكلام ثم تلا قوله (فأعقبهم نفاقا في قلوبهم) الآية.

وحاصل الأمر أن النفاق الأصغر كله يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية كما قاله الحسن وقال الحسن أيضا من النفاق اختلاف القلب واللسان واختلاف السر والعلانية واختلاف الدخول والخروج وقال طائفة من السلف خشوع النفاق أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع وقد روى معنى ذلك عن عمر وروى عنه أنه قال على المنبر (إن أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم قالوا كيف يكون المنافق عليما؟ قال يتكلم بالحكمة ويعمل بالجور أو قال المنكر) وسئل حذيفة عن المنافق فقال (الذي يصف الإيمان ولا يعمل به) وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أنه قيل له إنا ندخل على سلطاننا فنقول له بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عنده؟ قال (كنا نعد هذا نفاقا) وفي المسند عن حذيفة قال (إنكم لتكلمون كلاما إن كنا لنعده على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم النفاق) وفي رواية قال (إن الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصير بها منافقا وأني لأسمعها من أحدكم في اليوم أو في المجلس عشر مرات) قال بلال بن سعد (المنافق يقول ما يعرف ويعمل ما ينكر) .

ومن هنا كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم وكان عمر يسأل حذيفة عن نفسه وسئل أبو رجاء العطاردي هل أدركت من أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يخشون النفاق؟ فقال نعم إني أدركت منهم بحمد الله صدرا حسنا نعم شديدا نعم شديدا وقال البخاري في صحيحه وقال ابن أبي مليكة (أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه) ويذكر عن الحسن قال (ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق) انتهى وروى الحسن أنه حلف ما مضي مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق غير آمن، وما مضي منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن، وكان يقول (من لم يخف النفاق فهو منافق) وسمع رجل أبا الدرداء يتعوذ من النفاق في صلاته فلما سلم قال له ما شأنك وشأن النفاق فقال (اللهم اغفر لي ثلاثا لا تأمن البلاء والله إن الرجل ليفتن في ساعة واحدة فينقلب عن دينه) والآثار عن السلف في هذا كثيرة جدا قال سفيان الثوري (خلاف ما بيننا وبين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت