وأنت أيها الموحد كما أنك تقول عن الكاذب بأنه كاذب، وعن السارق بأنه سارق, وعن الزاني بأنه زاني، وعن القاتل بأنه قاتل، تقول أيضًا عن المرتد بأنه مرتد، وقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنتم شهداء الله في الأرض) [متفق عليه] وقال: (فاشهدوا على المحسن بأنه محسن وعلى المسيء بأنه مسيء) [رواه الطبراني والبيهقي وصححه الألباني]
وقد ثبت في كتاب السنة للخلال [5/ 95] ، قال: أخبرني أحمد بن محمد بن مطر قال حدثنا أبو طالب قال، قلتُ لأبي عبد الله [1] : إنهم مرّوا بطرسوس [2] بقبر رجل، فقال أهل طرسوس: الكافر لا رحمه الله، فقال أبو عبد الله: نعم فلا رحمه الله هذا الذي أسس هذا وجاء بهذا. أهـ أي القول بخلق القرآن.
قال شارح الطحاوية ص 523: وإنما اشتهرت مقالة الجهمية من حين محنة الإمام أحمد بن حنبل وغيره من علماء السنة، فإنه في أمارة المأمون قووا وكثروا، فإنه قد أقام بخرسان مدة واجتمع بهم، ثم كتب بالمحنة من طرسوس [3] سنة ثمان عشرة ومائتين وفيها مات. قال محقق الكتاب وفيها قبر.
قلت: وهل أهل طرسوس كلهم من العلماء؟!
الوجه الرابع: إن كان أولئك المرجئة يطعنون على بعض الشباب تقصيرهم في بعض العلوم فلماذا لا يطعنون على بعض السلف مثل ذلكم؟! قال الحافظ الذهبي رحمه الله في تذكرة الحفاظ [3/ 1031] :"فكم من إمام في فنٍّ مقصرٌ عن غيره، كسيبويه مثلًا إمامٌ في النَّحْو ولا يدري ما الحديث، ووكيع إمام في الحديث ولا يعرفُ العربية، وكأبي نوّاسٍ رأس في الشّعر عَرِيٌّ من غيره، وعبد الرحمن بن مهدي إمام في الحديث لا يدري ما الطبّ قطُّ، وكمحمد بن الحسن رأس في الفقه ولا يدري ما القراءات، وكحفص إمامٌ في القراءة تالفٌ في الحديث". أهـ
ولا شك أن تقصير السلف في بعض العلوم لا يضيرهم في شيء، بل إن عيبهم بسبب ذلك هو عيب في العائب نفسه، ومن سمات أهل البدع تعيرهم أهل الحق بشيء من ذلك، كاللحن في النحو ونحوه؛ قال الكوثري المبتدع في تأنيبه [ص27] : وابن فارسٍ هو الإمام المشهورُ في اللُّغة، وهو الذي قال عنه المَيداني: إنَّه شَرَعَ يُصْلحُ ألفاظ الشافعيِّ، فَسُئل عن ذلك فقال: هذا إصلاحُ الفاسدَ، فَلَمّا كثُرَ عليه أنِفَ من مذهبه، وانتقل إلى مذهب مالك. أهـ
(1) أي الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.
(2) مدينة بثغور بين انطاكية وحلب وبلاد الروم.
(3) في مطبعة دار المعارف: طرطوس.