الصفحة 90 من 597

اعلم أنه إذا ما ارتكب المكلف سببًا من أسباب الكفر الظاهرة، وانتفت في حقه موانع التكفير، كفر، ولا يلزم أن يجمع أكثر من سبب كي يكفر، بل تعدد أسباب الكفر أو علله يغلظ الكفر ويزيده، فالكفر دركات كما أن الإيمان درجات .. وانظر في هذا (فصل مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتها) من كتاب (طريق الهجرتين) لابن القيم، ويدل عليه قوله تعالى: (( إنما النسيء زيادة في الكفر ) )، والنسيء سبب زائد من أسباب الكفر أضافه مشركوا قريش إلى كفرياتهم الأخرى، وقال تبارك وتعالى أيضًا (( الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا ) ) [التوبة: 93]

ففيه أن بعض الكفر أشد من بعض، وهذا ظاهر، فمن جمع بين عدد من أسباب الكفر فارتد بترك الإقرار بالشهادتين وترك الصلاة، وضم إلى هذا الطعن في دين الله وشتم رسوله صلى الله عليه وسلم والتأليب عليه والسعي في حربه كعبد الله بن سعد بن سرح وعبد الله بن خطل ونحوهم، ممن عددهم وذكر أخبارهم شيخ الإسلام في الصارم المسلول، لا شك أن ردتهم أشد وأغلظ ممن كفرهم الله تعالى بسبب واحد من أسباب الكفر كالذين استهزءوا بالقراء في غزوة تبوك، وكالذين ارتدوا بالامتناع عن الزكاة وحدها دون أن يمتنعوا عن الصلاة أو سائر أركان الإسلام ومبانيه ..

والخلاصة أن تعليل حكم الكفر بأكثر من علة أو سبب ليس بشرط للتكفير، وإنما يزيد ذلك حكم التكفير تأكيدًا فيكون الكفر فيه أشد وأغلظ ..

كما قد يعلل التحريم أحيانًا بعلتين لتأكيد تحريمه، كما في تحريم نكاح الربيبة (42) ، إذا كانت محرمة بالرضاع إضافة إلى كونها ربيبة، واستدل العلماء لذلك بحديث أم حبيبة في الصحيحين أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إننا نتحدث أنك ناكح درة بنت أم سلمة، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي، لأنها بنت أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة مولاة أبي لهب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت