كان النبي صلى الله عليه وسلم يشيد بالتوحيد تعظيمًا لشأنه واهتمامًا بمقامه حتى في مرض موته وما ذاك إلا لأهميته ويقول:"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"متفق عليه من حديث عائشة.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك محذرًا لنا أن نفعل كفعلهم فيحل علينا اللعن كما حل عليهم لأن اتخاذ القبور مساجد من أعظم وسائل الشرك.
ولما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه، قال:"ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده"قال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا وكثر اللغط. قال صلى الله عليه وسلم:"قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع"متفق عليه من حديث ابن عباس.
وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يوص ولكن لو أوصى لما عدل عن الوصية بالتوحيد.
يدل على ذلك ما رواه الترمذي وغيره بسند حسن عن ابن مسعود -رضي الله عنه قال:"من سرّه أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم النبي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) إلى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [1] ."
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يوص ولكن لو أصى لما أوصى إلا بالتوحيد كما ذكر ذلك ابن مسعود -رضي الله عنه-.
وآية الأنعام التي ذكرها ابن مسعود مشتملة على بيان التوحيد والنهي عن ضده. وهذا من الصحابي الجليل دليل على تعظيم مقام التوحيد وبيان أهميته، وأن المرء مهما بلغ من العلم والدين فهو محتاج إلى التوحيد لا غنى للمرء عنه، وفيه بيان خطأ كثير من الناس في هذا الزمان من قولهم إن الناس اليوم لا يحتاجون لبيان التوحيد لأنهم في بلاد إسلامية خالية من الشرك، وهذا جهل صرف من قائله. لو سلمت له دعواه وإلا فكيف وهي دعوى مجردة لا حقيقة لها. بل الشرك منتشر والبدع عمّت وطمّت فلا منكر ولا مستنكر فإلى الله المشتكى وبه المستغاث.
ومما يدلنا على أهمية التوحيد وعظمه أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا إليه عشر سنين وذلك قبل أن تُفرض عليه الفرائض تعظيمًا لشأن التوحيد ولأن الله لا يقبل الأعمال إلا به. ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن قال:"فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله" [2] . ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مبدأ دعوته:"قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" [3] . ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم:"لقنوا موتاكم لا إله إلا الله" [4] .
(1) رواه الترمذي: (5/ 246) ، والطبراني في"الكبير": (10/ 114) من طريق الشعبي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود.
(2) رواه البخاري: (3/ 261 - فتح) ، ومسلم: (رقم 19) من طريق يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(3) رواه أحمد في"مسند": (4/ 63) و (5/ 371) من طريق أشعث بن سليم قال: حدثني شيخ من بني مالك بن كنانة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز يتخللها يقول ... الحديث وسنده صحيح.
(4) رواه مسلم (6/ 219 -نووي) من طريق عمارة بن غزية حدثنا يحيى بن عمارة قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ...