فإن قيل: ما ذكرتم من الآيات والأحاديث والآثار، معارض بقوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} .
فدلت الآيات، على أن بر ضعفة الكفار، لا بأس به؛ إذا لم يكن مع ولايتهم، بل عداوتهم.
وكذلك الصحابة، الذين تكلموا في مالك بن الدخشم، وقال بعضهم: إنه منافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أليس قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله؟) قالوا: بلى ولكنا نرى نصيحته للمنافقين، فقال: (فإن الله حرم على النار، من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) - أو كما قال - [فهو في البخاري ومعناه في مسلم] .
وكذلك أناس من الصحابة، لهم آباء منافقين كعبد الله بن عبد الله ابن أبي، ولم ينقل عنهم عداوتهم والغضب عليهم، وإظهار العبوسة في وجوههم ونحو ذلك.
فالجواب؛
أما قوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم في الدين ... الآية} ، فإن معناها؛ أن الله لا ينهى المؤمنين، عن بر من لم يقاتلهم من الضعفاء والمساكين، كالنساء والصبيان في أمر الدنيا، كإعطائهم إذا سألوك ونحو ذلك.
وأما موالاتهم ومحبتهم، وإكرامهم؛ فلم يرخص الله تعالى في ذلك، بل شدد في موالاة الكفار من اليهود والنصارى، ولو كانوا أهل ذمة؛ حتى نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بداءتهم بالسلام، والتوسعة لهم في الطريق، وقال: (لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) .
و هكذا حال المعاهد.
فأما الكافر الحربي والمرتد، فأين الرخصة في شيء من ذلك؟ وقد نص على أن هذه الآية في النساء ونحوهم؛ ابن كثير.
وقال غيره من المفسرين: هذه أيضًا رحمة منه لهم - أي للمؤمنين - لتشددهم وجدهم في العداوة، حيث رخص لهم في صلة من لم يجاهر بقتال المسلمين، وإخراجهم من ديارهم.
وقيل: أراد بهم خزاعة، وكانوا صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه.
وعن مجاهد: هم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا.
وقيل: هم النساء والصبيان.
وعن قتادة: (نسختها آية القتال) ، انتهى - يعني قوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ، -
وهذه الآية على ما ترى، قيل: إنها منسوخة كما قال قتادة، وقيل: إنها في النساء والصبيان خاصة، وقيل: هي فيمن أسلم ولم يهاجر، فيجوز برهم بإعطائهم من متاع الدنيا.
فأين في الآية ما يدل على جواز موالاة الكفار والمرتدين، ومحبتهم والقيام معهم في كل وجه؟
والجواب عن حديث مالك بن الدخشم؛
أن مالك بن الدخشم ممن شهد بدرًا، وقد جاء في"الصحيح"أن الله تعالى قال لأهل بدر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) .
وليس بأعظم من قصة حاطب بن أبي بلتعة، لما كتب إلى المشركين يخبرهم بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا جس من حاطب، وقد تنازع العلماء في قتل الجاسوس المسلم، ولم يكن ذلك دليل على جواز مكاتبة المشركين بأسرار المسلمين.
كذلك حديث مالك؛ لا يدل على أن مجالسة المنافقين، ونصيحتهم أمر جائز، لكن يقال - والله أعلم: هذا ذنب، كفر بشهوده بدرًا؛ كما كفر ذنب حاطب بذلك.
والجواب عن أمر عبد الله بن عبد الله بن أبي؛
أن عبد الله بن عبد الله له الأيام البيض، والعداوة الظاهرة لأبيه عبد الله بن أبي، مالا يخفى على أحد من أهل العلم؛ حتى أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله، فلم يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فكيف يحتج أحد بما لا دليل فيه لقوله، بل هو على نقيض مقصوده أولى.
والله أعلم