الصفحة 4 من 10

وهي كثيرة، فنذكر منها بعضها ...

قال تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر قد بيننا لكم الآيات إن كنتم تعقلون * هأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا ءامنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور} ، والآية بعدها.

قال ابن عباس في الآية: (كان رجال من المسلمين، يواصلون رجالًا من اليهود؛ لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فأنزل الله فيهم ينهاهم عن مباطنتهم تخوف الفتنة عليهم {يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم ... الآية} ) [رواه ابن جرير وابن أبي حاتم] .

وعنه أيضًا؛ {لا تتخذوا بطانة من دونكم} ، قال: (هم المنافقون) [رواه ابن أبي حاتم] .

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قيل له: إن هنا غلامًا من أهل الحيرة، حافظًا كاتبًا، فلو اتخذته كاتبًا، قال: (قد اتخذت إذن بطانة من دون المؤمنين) [رواه ابن أبي شيبة] .

وعن الربيع: ( {لا تتخذوا بطانة} ، يقول: لا تستدخلوا المنافقين تتولوهم دون المؤمنين) .

وفي تفسير القرطبي في الكلام على هذه الآية:(نهى الله سبحانه وتعالى المؤمنين بهذه الآية، أن يتخذوا من الكفار واليهود، وأهل الأهواء دخلاء وولجاء يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم، ويقال: كل من كان على خلاف مذهبك ودينك، لا ينبغي أن تخادنه، قال الشاعر:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي

وفي سنن أبي داود، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل".

وروي عن ابن مسعود أنه قال:"اعتبروا الناس بأخدانهم".

ثم بين تعالى المعنى الذي من أجله نهي عن المواصلة، فقال: {لا يألونكم خبالًا} ، يعني فسادًا، يعني لا يتركون الجهد في فسادكم) .

قال: (وقدم أبو موسي الأشعري على عمر رضي الله عنهما بحساب، فرفعه إلى عمر، فأعجبه، وجاء عمر كتاب، فقال لأبي موسي:"أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب على الناس؟"، فقال:"إنه لا يدخل المسجد!"، فقال:"لم؟! أجنب هو؟!"، قال:"إنه نصراني!"، قال: فانتهزه وقال:"لا تدنهم وقد أقصاهم الله، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله، ولا تأمنهم وقد خونهم الله") .

ومن كتاب الإمام محمد بن وضاح: قال أسد بن موسى: (جاء في الأثر؛ من جالس صاحب بدعة، نزعت منه العصمة ووكل إلى نفسه، ومن مشى إلى صاحب بدعة فقد مشى في هدم الإسلام) .

وقال الأوزاعي: (كانت أسلافكم تشتد عليهم - أي على أهل البدع - ألسنتهم، وتشمئز منهم قلوبهم، ويحذرون، الناس بدعتهم) .

وعن الحسن قال: (لا تجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك) .

وقال إبراهيم: (لا تجالسوا أهل البدع، ولا تكلموهم، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم) [روى هذه الآثار ابن وضاح] .

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رضي الله عنه: (واعلم رحمك الله أن كلام السلف، في معاداة أهل البدع والضلالة؛ في ضلالة لا تخرج عن الملة) انتهى كلامه.

فإذا كان هذا كلام السلف، وتشديدهم في معاداة أهل البدع والضلال، ونهيهم عن مجالستهم مع كونهم مسلمين، فما ظنك بمجالسة الكفار والمنافقين، وجفاة الأعراب - الذين لا يؤمنون بالله ورسوله - والسعي في مصالحهم، والذب عنهم، وتحسين حالهم، مع كونهم بين اثنين: إما كافر أو منافق، ومن يتهم بمعرفة الإسلام منهم قليل جدًا.

فهذا من رؤوسهم وأصحابهم، وهو معهم يحشر يوم القيامة، قال الله تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ... الآية} ، وقال تعالى: {و إذا النفوس زوجت} .

وقد تقدم الحديث: (لا يحب رجل قومًا إلا حشر معهم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت