بقيت الصورة الأخيرة التي اختلف حولها السلف والتي، كما هو بين، لا علاقة لها بالواقع المرير الذي تعيشه الأمة الإسلامية من استبعاد حكامهم لشرع الله المحكم وتحكيمهم زبالة أذهان المخلوقين في دماء العباد وفروجهم وأموالهم، مع ما جلبت هذه القوانين على الأمة من فرقة ومصائب وتناحر وفتن، وحتى السعودية التي تزعم تحكيم الشريعة فإنها تفعل ذلك في جوانب من القضاء دون غيرها ولائحة القوانين التي تخالف الشريعة وتحل الربا والمحرمات وتضع الحدود عن العساكر والشرط طويلة.
وهذه الصورة هي صورة القاضي الشرعي الملتزم بتحكيم الكتاب والسنة وما تفرع عنهما من أحكام إذا تعمد الحكم بغير ما أنزل الله لهوى أو قرابة أو رشوة فهذه الصورة هي التي قال عنها أكثر السلف أنها كفر دون كفر، وما ينسب لابن عباس رضي الله عنهما في هذا الباب لا يصح سندا كما ذكر الشيخ العلوان والسعد وغيرهما من أهل الاختصاص، إنما صح ذلك عن التابعين ومن جاء بعدهم لكن صح خلافه أيضا عن ابن مسعود رضي الله عنه كما رواه عنه الطبري والحاكم وغيرهما بأسانيد صحيحة أنه سئل عن السحت فقال: الرشا قيل له في الحكم قال: لا ذاك الكفر، وبهذا قال أيضا الحسن والسدي وإبراهيم النخعي وهذا الخلاف في المسألة أثبته الطبري وابن تيمية وابن القيم وابن كثير ورغم ذلك يصر أهل التجهم على نقل الإجماع فيها وتنزيلها على الصور المختلفة التي ذكرنها بالأعلى، ومن فتح تفسير الطبري أو ابن كثير وقرأ تفسير آيات سورة المائدة بتجرد وإنصاف أدرك حجم التدليس والتلبيس الذي يتعمده مشايخ الضلال ومدى بعد أتباعهم عن النظر والتحقيق.
هذه باختصار مختلف صور الحكم بغير ما أنزل الله كما هي في واقعنا وواقع السلف الصالح، ومن عظيم الظلم والازدراء أن ينسب لابن عباس وغيره من أئمة الدين القول أن من منع الحجاب والصلاة وأباح الخمر والزنا والربا وحارب شرائع الإسلام وأهله أنه أخونا في الدين وأن طاعته علينا واجبة وأنه قد يسبق من كفره إلى الجنة، فهذه مصادمة صريحة لكتاب الله وسنة رسوله وللفطرة السليمة، لكن الأمر كما قال تعالى {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} .
أعاذنا الله وإياكم من الجهل والجاهلين.