نعيش فيه والاقتصار في الاستدلال في الباب على آية واحدة من سورة المائدة دون غيرها من الآيات في كتاب الله تعالى.
وهذه الصور المختلفة والتي يبلغ أكثرها الكفر المغلظ المزيد كما سنبيّن، ينزّل عليها أهل الإرجاء حكما واحدا ويستدلون عليها بأثر واحد مطعون في سنده دون غيرها من الآثار الثابتة عن السلف الصالح والتي هي في نهاية الأمر لا تمت للواقع الذي نعيش فيه بصلة، لأن الصورة التي ناقش فيها سلفنا هي صورة الحاكم أو القاضي الشرعيّان الملتزمان بتحكيم شرع الله مجملا وتفصيلا إذا جارا وتعمّدا الحكم بغير ما أنزل الله، وهي صورة لا تكاد توجد في زماننا إلا في مناطق محدودة من العالم الإسلامي.
أما بقية صور الحكم بغير ما أنزل الله في زماننا فقد بينتها الدساتير الوضعية وأوضحتها بما لا يترك مجالا للشك في ردة المتلبسين بها وخروجهم عن ملة الإسلام من أبواب متفرقة لا تخفى إلا على من اعوجّ فهمه وطمس الله بصيرته وأعماه عن نور الوحي كما ذكر الشيخ الشنقيطي رحمه الله، وإليك التفصيل:
أولا: تنص الدساتير الوضعية والتي هي مرجع الحكم والسياسة على صرف التشريع المطلق إلى غير الله تعالى، إلى الرئيس أو الملك والبرلمان والهيئات التشريعية التي تًعطى صلوحيات تشريعية مطلقة، عليا، لا تتقيد بقرآن أو سنة بل تكون قاضية ومقدمة في أحكامها عليهما.
وهذا الشرك في أمر الله وحكمه الشرعي لا يختلف مع الشرك مع الله في خلقه أو في تصرفه في كونه أو في قضائه بين خلقه يوم القيامة وهو منازعة صريحة لما خص الله به نفسه من الأمر والتشريع كما دل على ذلك عشرات الآيات من كتاب الله تعال كقوله تعالى على لسان يوسف عليه السلام: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}
وقول يعقوب عليه السلام: {وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ}
وقوله سبحانه: {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ}