ولابد قبل ذلك عن لمحة صغيرة عن الجماعة السلفية للدعوة والقتال وبيان أن سبب قيامها في شهر المحرم من سنة 1420، هو تمكن الفكر الغالي الخارجي من الوصول إلى قيادة الجماعة الإسلامية المسلحة وتحريف وجهة قتالها وانفصالها عن القيادات العلمية لها سواء بداخل البلاد أو خارجها.
أضف إلى ذلك تغلغل المخابرات العسكرية في هذه الجماعة مما ساعد على تنمية هذا الفكر المنحرف والوقوف معه وتشجيعه على القضاء على الدعاة وطلبة العلم من أمثال الشيخ محمد سعيد رحمه الله، بل ودفعه إلى استهداف الشعب الجزائري حتى يؤلبه على الجماعات الإسلامية التي كان - ولازال - يساندها ويزودها بالأنفس والأموال والذي هو، بعد الله سبحانه، السبب الأساسي في قيامها ودوامها.
فانفصلت بحمد الله القيادات العسكرية والعلمية السُنّية عن الجماعة المسلحة لتُكوّن الجماعة السلفية للدعوة والقتال بقيادة الشيخ أبي مصعب عبد المجيد قبل أن تنتقل الإمارة إلى القائد الفذ أبي حمزة حسن حطاب، نصره الله ووفقه لمرضاته.
وقد حرصت الجماعة السلفية منذ بدايتها على تأصيل المسائل الشرعية عند أفرادها وذلك بتكوين هيئة تعليم شرعي يشرف عليها جملة من طلبة العلم وحملة الشهادات العلمية الشرعية من الجامعات الإسلامية ببلاد الحرمين وغيرها، وتم تنظيم دورات ونشاطات تعليمية مستمرة لتبصير المجاهدين بأمور دينهم، خاصة أن الجماعة قد التحق بها منذ تأسيسها بعض المقاتلين الذين لم تتضح عندهم الصورة الشرعية لهذا القتال، كبعض الإخوان المسلمين وأدعياء السلفية الذين لبس عليهم بعض مشايخ الإرجاء حال هذا النظام، الذي لا يشك في كفره إلا من طمس الله على قلبه وأعماه عن نور الوحي مثلهم.
إلا أن هذه الأقلية سرعان ما تركت ساحات القتال ورضيت بالنزول تحت الصلح الوطني (أو الوثني كما يسميه إخواننا في الجزائر) الذي اقترحه الطاغوت المرتد ورضيت بالدنية في دينها وتسليم السلاح بل صار بعضهم مخبرا للهيئة العسكرية التي لا تخفى جرائمها في حق الشعب الجزائري إلا على أعمى البصر والبصيرة، وقد كان لفتاوى بعض كبار مشايخ الإرجاء دور رئيس في التحريض على هذا السلم المخزي، لكن من جهة أخرى فقد كان هذا الصلح الباطل من نعم الله على الجماعة حيث تمحصت صفوفها وتطهرت من شوائب التجهم وصار المقاتلون فيها على كلمة واحدة والحمد لله رب العالمين فاشتد عودها وقويت شوكتها وظهرت نكايتها في العدو، ولولا قلة الأعوان وكثرة المبطلين المخذّلين لحسمت المسألة منذ زمن طويل، والله غالب على أمره.