دار الإسلام، ولأنّ ما حُرّم في دار الإسلام حُرّم هناك، كالخمر وسائر المعاصي، ولأنّه عقد على ما لا يجوز في دار الإسلام، فلم يصحّ، كالنّكاح الفاسد هناك [9] .
وقال أبو حنيفة ومحمّد: لا يحرم الرّبا بين المسلم والحربيّ في دار الحرب، ولا بين مسلمين أسلما في دار الحرب ولم يهاجرا منها، لأنّ مالهم مباح، إلاّ أنّه بالأمان حرم التّعرّض له بغير رضاهم تحرّزًا عن الغدر ونقض العهد، فإذا رضوا به حلّ أخذ مالهم بأيّ طريقٍ كان، بخلاف المستأمَن، لأنّ ماله صار محظورًا بالأمان [10] .
ولا بد من التنبه هنا إلى أن أبا حنيفة ومحمد يجيزان للمسلم أخذ الربا من الحربي في دار الحرب، ولا يجيزان له أخذه من الحربي أو غيره في دار الإسلام، لأن مال المستأمن مصون، كما لا يجيزان للمسلم إطعام الربا للحربي ولا غيره، في دار الحرب أو دار الإسلام على سواء، فالجواز في الأخذ وليس في الدفع، يوحي بذلك استدلالهما على الإباحة بأن مال الحربي في دار الحرب غير مصون، وهذا يدل على الأخذ دون الدفع، لدخول الدفع تحت عموم المنع في قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) (البقرة: من الآية 275) ، ولأن مال المسلم مصون في حق المسلم، سواء كان في دار الحرب أو دار الإسلام، فلا يجوز أخذه منه باسم الربا أبدا، لحديث النبي صلى الله عليه وسلم المتقدم: (وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ) رواه مسلم.
قال ابن عابدين في رد المحتار: قوله: (لان ماله ثمة مباح) قال في فتح القدير: لا يخفى أن هذا التعليل إنما يقتضي حل مباشرة العقد إذا كانت الزيادة ينالها المسلم، والربا أعم من ذلك، إذ يشمل ما إذا كان الدرهمان: أي في بيع درهم بدرهمين من جهة المسلم ومن جهة الكافر، وجواب المسألة بالحل عام في الوجهين، وكذا القمار قد يفضي إلى أن يكون مال الخطر للكافر بأن يكون الغلب له، فالظاهر أن الإباحة بقيد نيل المسلم الزيادة، وقد ألزم الأصحاب في الدرس أن مرادهم من حل الربا والقمار ما إذا حصلت الزيادة للمسلم، نظرا إلى العلة، وإن كان إطلاق الجواب خلافه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب ا هـ. قلت: ويدل على ذلك ما في السير الكبير وشرحه حيث قال: وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان، فلا بأس بأن يأخذ منهم أموالهم بطيب أنفسهم بأي وجه كان، لأنه إنما أخذ المباح على وجه عري عن الغدر، فيكون ذلك طيبا له، والأسير والمستأمن سواء، حتى لو باعهم درهما بدرهمين أو باعهم ميتة بدراهم أو أخذ مالا منهم بطريق القمار، فذلك كله طيب له ا هـ ملخصا.
فانظر كيف جعل موضوع المسألة الأخذ من أموالهم برضاهم، فعلم أن المراد من الربا والقمار في كلامهم ما كان على هذا الوجه وإن كان اللفظ عاما، لان الحكم بدور مع علته غالبا. (رد المحتار 4/ 188) .
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن قول أبي حنيفة ومحمد في جواز أكل الربا من الحربي في دار الحرب إنما هو مشروط أيضا بأن تكون المصلحة فيه للمسلم آكل الربا، وليس لغير المسلم الدافع للربا، ذلك أن دافع الربا قد يكون هو المنتفع، كمما يحصل في إيداع كثير من أثرياء المسلمين أموالا طائلة في بنوك أجنبية بقصد الاستفادة من الربا، فإن هذه البنوك تنتفع من هذه الأموال أكثر مما ينتفع منها واضعوها في هذه البنوك، وعندها تنتفي المصلحة التي قرر أبو حنيفة ومحمد جواز أكل الربا من أجلها، وهي تحقق مصلحة المسلم من ذلك، وفي ظني لو أن أبا حنيفة كان موجودا بيننا، ورأى ما نتج عن إيداع أغنياء المسلمين أموالهم في البنوك الربوية الأجنبية لحرمه، وعلى كل هو قول لفقيهين معتبرين خالفا فيه جماعة الفقهاء والمجتهدين، فلا يكون قولهما -على علو مقامهما- هو الراجح.
ويستوي في منع الربا المحرم أن يكون مع فرد، أو مؤسسة، أو بنك، أو شركة، أو مع الدولة، لعموم التحريم في القرآن الكريم والسنة المطهرة، من غير تفصيل، إلا ما استثناه أبو حنيفة ومحمد كما تقدم.
وقد أيد ذلك كله مجمع الفقه الإسلامي في جدة بقراره رقم - (3) في مؤتمره الثاني المنعقد في جده من 10 - 16/ربيع الثاني 1406 هـ الموافق 22 - 28/ديسمبر 1985 م، حيث جاء فيه ما يلي: (إن كل زيادة أو فائدة على الدين الذي أجله وعجز عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة(أو الفائدة) على القرض منذ بداية العقد، هاتان الصورتان ربا محرم شرعا، وإن البديل الذي يضمن السيولة والمساعدة على النشاط الاقتصادي حسب الصورة التي يرتضيها الإسلام هو التعامل وفقا لأحكام الشريعة).
وقرر المجلس التأكيد على دعوة الحكومات الإسلامية إلى تشجيع المصارف التي تعمل بمقتضى الشريعة الإسلامية، والتمكين لإقامتها في كل بلد إسلامي لتغطي حاجة المسلمين كيلا يعيش المسلم في تناقض بين واقعه ومقتضيات عقيدته).