كما سمّي ربا النسيئة بربا الجاهليّة، لأنّ تعامل أهل الجاهليّة بالرّبا لم يكن إلاّ به، كما قال الجصّاص، والرّبا الّذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنّما كان قرض الدّراهم والدّنانير إلى أجلٍ بزيادةٍ على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به، وسمّي أيضًا الرّبا الجليّ، قال ابن القيّم: الجليّ ربا النّسيئة، وهو الّذي كانوا يفعلونه في الجاهليّة، مثل أن يؤخّر دينه ويزيده في المال، وكلّما أخّره زاده في المال حتّى تصير المائة عنده آلافًا مؤلّفةً.
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ العقد الّذي يخالطه الرّبا مفسوخ لا يجوز بحالٍ، وأنّ من أربى ينقض عقده ويردّ فعله وإن كان جاهلًا، لأنّه فعل ما حرّمه الشّارع ونهى عنه، والنّهي يقتضي التّحريم والفساد، وقد قال النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ) متفق عليه، ولحديث: (جاء بلال رضي الله عنه بتمرٍ برنيّ، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ فقال بلال: من تمرٍ كان عندنا رديءٍ، فبعت منه صاعين بصاعٍ لمطعم النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عند ذلك: أوّه عين الرّبا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التّمر فبعه ببيعٍ آخر ثمّ اشتر به) متفق عليه، فقوله صلى الله عليه وسلم: (أوّه عين الرّبا) أي هو الرّبا المحرّم نفسه لا ما يشبهه، وقوله صلى الله عليه وسلم: (فهو ردّ) يدلّ على وجوب فسخ صفقة الرّبا، وأنّها لا تصحّ بوجهٍ.
وروى مسلم أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ) . وقال عنه النّوويّ في شرح مسلمٍ قوله: المراد بالوضع الرّدّ والإبطال.
وفصّل ابن رشدٍ فقال: من باع بيعًا أربى فيه غير مستحلٍّ للرّبا فعليه العقوبة الموجعة إن لم يعذر بجهلٍ، ويفسخ البيع ما كان قائمًا، والحجّة في ذلك أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أمر السّعدين أن يبيعا آنيةً من المغانم من ذهبٍ أو فضّةٍ، فباعا كلّ ثلاثةٍ بأربعةٍ عينًا، أو كلّ أربعةٍ بثلاثةٍ عينًا، فقال لهما رسول اللّه صلى الله تعالى عليه وسلم: (أَرْبَيْتُمَا فَرُدَّا) رواه مالك في الموطأ.
فإن فات البيع فليس له إلاّ رأس ماله قبض الرّبا أو لم يقبضه، فإن كان قبضه ردّه إلى صاحبه، وكذلك من أربى ثمّ تاب فليس له إلاّ رأس ماله، وما قبض من الرّبا وجب عليه أن يردّه إلى من قبضه منه، وأمّا من أسلم وله ربا، فإن كان قبضه فهو له، لقول اللّه عزّ وجلّ: (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ) (البقرة: من الآية 275) ، ولقول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (من أسلم على شيءٍ فهو له) رواه البيهقي وأبو يعلى، وفيه ضعف، وأمّا إن كان لم يقبض الرّبا فلا يحلّ له أن يأخذه، وهو موضوع عن الّذي هو عليه، ولا خلاف في هذا أعلمه [8] .
وقال الحنفيّة: اشتراط الرّبا في البيع مفسد للبيع، لكنّهم يفرّقون في المعاملات بين الفاسد والباطل، فيملك المبيع في البيع الفاسد بالقبض، ولا يملك في البيع الباطل بالقبض، يقول ابن عابدين: الفساد والبطلان في العبادات سيّان، أمّا في المعاملات، فإن لم يترتّب أثر المعاملة عليها فهو البطلان، وإن ترتّب فإن كان مطلوب التّفاسخ شرعًا فهو الفساد، وإلاّ فهو الصّحّة.
والبيع الرّبويّ عند الحنفيّة من البيوع الفاسدة، وحكم البيع الفاسد عندهم أنّ العوض يملك بالقبض ويجب ردّه لو قائمًا، وردّ مثله أو قيمته لو مستهلكًا، وعليه فإنّه يجب ردّ الزّيادة الرّبويّة لو قائمةً، لا ردّ ضمانها، قال ابن عابدين: وحاصله أنّ فيه حقّين، حقّ العبد وهو ردّ عينه لو قائمًا ومثله لو هالكًا، وحقّ الشّرع وهو ردّ عينه لنقض العقد المنهيّ عنه شرعًا، وبعد الاستهلاك لا يتأتّى ردّ عينه فتعيّن ردّ المثل، وهو محض حقّ العبد.
ذهب جمهور الفقهاء وأبو يوسف من الحنفيّة إلى أنّه لا فرق في تحريم الرّبا بين دار الحرب ودار الإسلام، فما كان حرامًا في دار الإسلام كان حرامًا في دار الحرب، سواء جرى بين مسلمين أو مسلمٍ وحربيٍّ، وسواء دخلها المسلم بأمانٍ أم بغيره.
واستدلّوا على ذلك بعموم نصوص القرآن الكريم والسّنّة الشريفة في تحريم الرّبا من غير فرقٍ، ولأنّ ما كان ربًا في دار الإسلام كان ربًا محرّمًا في دار الحرب، كما لو تبايعه مسلمان مهاجران، وكما لو تبايعه مسلم وحربيّ في