الصفحة 2 من 6

ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاتِ) متفق عليه.

وما رواه مسلم عن جابر بن عبد اللّه رضي الله تعالى عنهما قال: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَقَالَ هُمْ سَوَاءٌ) .

وأجمعت الأمّة على أصل تحريم الرّبا، وإن اختلفوا في تفصيل مسائله وتبيين أحكامه وتفسير شرائطه [6] .

هذا، ويجب على من يقرض أو يقترض أو يبيع أو يشتري أن يبدأ بتعلّم أحكام هذه المعاملات قبل أن يباشرها، حتّى تكون صحيحةً وبعيدةً عن الحرام والشّبهات، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب، وتركه إثم وخطيئة، وهو إن لم يتعلّم هذه الأحكام قد يقع في الرّبا دون أن يقصد الإرباء، بل قد يخوض في الرّبا وهو يجهل أنّه تردّى في الحرام وسقط في النّار، وجهله لا يعفيه من الإثم ولا ينجّيه من النّار، لأنّ الجهل والقصد ليسا من شروط ترتّب الجزاء على الرّبا، فالرّبا بمجرّد فعله - من المكلّف - موجب للعذاب العظيم الّذي توعّد اللّه تعالى جلّ جلاله به المرابين، يقول القرطبيّ: لو لم يكن الرّبا إلاّ على من قصده ما حرّم إلاّ على الفقهاء.

وقد أثر عن السّلف أنّهم كانوا يحذّرون من الاتّجار قبل تعلّم ما يصون المعاملات التّجاريّة من التّخبّط في الرّبا، ومن ذلك قول عمر رضي الله تعالى عنه: لا يتّجر في سوقنا إلاّ من فقه، وإلاّ أكل الرّبا، وقول عليٍّ رضي الله عنه: من اتّجر قبل أن يتفقّه ارتطم في الرّبا ثمّ ارتطم ثمّ ارتطم، أي: وقع وارتبك ونشب.

وقد حرص الشّارع على سدّ الذّرائع المفضية إلى الرّبا، لأنّ ما أفضى إلى الحرام حرام، وكلّ ذريعةٍ إلى الحرام هي حرام، روى أبو داود بسنده عن جابرٍ رضي الله عنه قال: لمّا نزلت: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) (البقرة: من الآية 275) ، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (مَنْ لَمْ يَذَرْ الْمُخَابَرَةَ فَلْيَأْذَنْ بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) رواه أبو داود، وقال ابن كثيرٍ: وإنّما حرّمت المخابرة وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، والمزابنة وهي اشتراء الرّطب في رؤوس النّخل بالتّمر على وجه الأرض، والمحاقلة وهي اشتراء الحبّ في سنبله في الحقل بالحبّ على وجه الأرض، إنّما حرّمت هذه الأشياء وما شاكلها حسمًا لمادّة الرّبا، لأنّه لا يعلم التّساوي بين الشّيئين قبل الجفاف، ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، ومن هذا حرّموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الرّبا والوسائل الموصّلة إليه، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب اللّه لكلٍّ منهم من العلم.

الربا المحرم شرعا على قسمين: ربا الفضل وربا النَّساء.

فأما ربا الفضل، وهو ربا البيوع، فيكون في الأعيان الرّبويّة، وهو الّذي عني الفقهاء بتعريفه وتفصيل أحكامه في البيوع، وعرفه الحنفيّة بأنّه (فضل خالٍ عن عوضٍ بمعيارٍ شرعيٍّ مشروطٍ لأحد المتعاقدين في المعاوضة) [7] .

أما ربا النّسيئة، فهو فضل الحلول على الأجل، وفضل العين على الدّين في المكيلات أو الموزونات عند اختلاف الجنس، أو في غير المكيلات أو الموزونات عند اتّحاد الجنس، وربا النسيئة هو الأهم، وهو محل الدراسة.

ومن ربا النّسيئة: الزّيادة في الدّين نظير الأجل، أو الزيادة في الأجل، وسمّي هذا النّوع من الرّبا ربا النّسيئة من أنسأته الدّين إذا أخّرته عنه، لأنّ الزّيادة فيه مقابل الأجل أيًّا كان سبب الدّين بيعًا كان أو قرضًا.

وسمّي ربا النسيئة بربا القرآن، لأنّه حرّم بالقرآن الكريم في قول اللّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران:130) ، ثمّ أكّدت السّنّة النّبويّة تحريمه في خطبة الوداع، وفي أحاديث أخرى، ثمّ انعقد إجماع المسلمين على تحريمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت