الفصل الثاني
فضائل جزيرة العرب
قال تعالى: (وربك يخلق ما يشاء ويختار) القصص آية [68] .
فاختار محمدًا صلى الله عليه وسلم على العالمين. واختار أمته المسلمة وفضلها على جميع الأمم قال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس .. ) آل عمران آية [110] واختار هذه الجزيرة المباركة وحجازها الشريف على الأرض كلها.
قال الإمام ابن القيم: (ومن هذا اختياره سبحانه وتعالى من الأماكن والبلاد خيرها وأشرفها وهي البلد الحرام فإنه سبحانه وتعالى اختاره لنبيه صلى الله عليه وسلم وجعله مناسك لعباده و أوجب عليهم الإتيان إليه من القرب والبعد من كل فج عميق، فلا يدخلونه إلا متواضعين خاشعين متذللين كاشفي رؤوسهم متجردين عن لباس أهل الدنيا. وجعله حرمًا آمنًا لا يسفك فيه دم ولا تعضد به شجرة ولا ينفر صيده ولا يختلى خلاه ولا تلتقط لقطته للتمليك بل للتعريف ليس إلا. وجعل قصده مكفرًا لما سلف من الذنوب ماحيًا للأوزار حاطًا للخطايا ...
فلو لم يكن البلد الأمين خير بلاده وأحبها إليه ومختاره من البلاد لما جعل عرصاتها مناسك لعباده فرض عليهم قصدها. وجعل ذلك من آكد فروض الإسلام وأقسم به في كتابه العزيز في موضعين منه فقال تعالى: (وهذا البد الأمين) الزيتون آية [3] وقال: (لا أقسم بهذا البلد) البلد آية [1] وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها والطواف بالبيت الذي فيها غيرها. وليس على وجه الأرض موضع يشرع تقبيله واستلامه وتحط الخطايا والأوزار فيه غير الحجر السود والركن اليماني، وقد ظهر سر هذا التفضيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة وهوى القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد فهو الأولى بقول القائل:
محاسنه هيولى كل حسن ... ومغناطيس أفئدة الرجال
ولهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس أي يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار ولا يقضون منه وطرًا بل كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له اشتياقًا.
لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها ... حتى يعود إليها الطرف مشتاقًا