فلله كم لها من قتيل وسليب وجريح. وكم أنفق في حبها من الأموال والأرواح ورضى المحب بمفارقة فلذ الأكباد والأهل والأحباب والأوطان مقدمًا بين يديه أنواع المخاوف والمتالف والمعاطف والمشاق. وهو يستلذ ذلك كله ويستطيبه ويراه لو ظهر سلطان المحبة في قلبه أطيب من نعم المتحلية وترفهم ولذاتهم.
وليس محبًا من يعد شقاءه ... عذابًا إذا ما كان يرضي حبيبه
وهذا كله سر إضافته إليه سبحانه وتعالى بقوله: (وطهر بيتي) الحج آية [26] .
فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته كما اقتضت
إضافته لعبده ورسوله إلى نفسه ما اقتضته من ذلك. وكذلك إضافته عباده المؤمنين إليه
كستهم من الجلال والمحبة والوقار ما كستهم. فكل ما أضافه الرب تعالى إلى نفسه فله من المزية والاختصاص على غيره ما أوجب له الاصطفاء والاجتباء. ثم يكسوه بهذه الإضافة تفضيلًا آخر وتخصيصًا وجلالة زائدة على ما كان له قبل الإضافة) [1] .
2 -وقال تعالى: (والتين والزيتون {1} وطور سينين {2} وهذا البلد الأمين) الزيتون الآيات [1 - 2 - 3] .
أقسم رب العالمين في هذه الثلاث الآيات من سورة التين بالمواضع الثلاثة المشرقة التي احتضنت اكبر الرسالات النبوية إلى البشرية.
أقسم بالتين والزيتون والمراد بلاد الشام وفلسطين على وجه الخصوص التي خلت فيها رسالة نبي الله وروحه وكلمته عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام.
وطور سينين الجبل المهيب في أرض سيناء الذي كلم الله عنده نبيه ورسوله الكليم موسى بن عمران نبي بني إسرائيل العظيم عليه السلام.
والبلد الأمين - أم القرى - البلدة المحرمة - البلد الآمن - ارض المشاعر والمناسك - وقبلة المؤمنين إلى يوم الدين - مكة المعظمة - التي منها انطلقت أعظم الرسالات واشرف النبوات رسالة خاتم المرسلين محمد الأمين القرشي الهاشمي المكي التهامي عليه الصلاة والسلام.
(1) (1) ... زاد المعاد (1/ 46 - 52) .