وكان للقوم في هذا الإشكال -أعني: أن أركان الإسلام اكتملت بركن الحج ونزول آية الإكمال، وهي تفيد الحصر الزمني بذلك اليوم والإكمال بصيغة وقوع الفعل لقوله: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) ) [المائدة:3] أي: أن يوم إكمال الدين إنما كان يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، وليس يوم الغدير الذي كان في اليوم الثامن عشر منه.
أقول: وقد كان للقوم في هذا الإشكال اضطرابٌ بيِّنٌ وتكلف واضح في رده:
فمن ذلك: قول أحدهم: إنه من الجائز أن ينزل الله سبحانه معظم السورة وفيه قوله: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) ) [المائدة:3] ، وينزل معه أمر الولاية كل ذلك يوم عرفة، فأخر النبي صلى الله عليه وسلم بيان الولاية إلى غدير خم، وقد كان تلا آيتها يوم عرفة ( [125] ) .
وقبله نسبوا إلى الباقر أنه قال في حديث طويل عما فرض الله عز وجل على العباد، ثم نزلت الولاية، وإنما أتاه ذلك في يوم الجمعة بعرفة، أنزل الله عز وجل: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) ) [المائدة:3] وكان كمال الدين بولاية علي بن أبي طالب ... الرواية ( [126] ) .
فأنت ترى هنا تصريحًا بنزولها يوم عرفة، أي: يوم التاسع من ذي الحجة، فكيف يزعم القوم أنها نزلت يوم الثامن عشر منه، أي: يوم الغدير، وقد رد البعض على هذه الرواية بأن عرفة يحتمل أن تكون هنا بالضم، وهي اسم لثلاثة عشر موضعًا، فلا يبعد أن يكون أحدها قريبًا من غدير خم ( [127] ) ، والقوم معذورون، إذ قد اضطربوا بهذه الروايات.
ثم لا أدري كيف يمكن تلاوة آية تفيد وقوع الإكمال للدين، وفي يوم محدد وهو يوم عرفة في هذا الحشد الهائل ممن كان معه صلى الله عليه وسلم والذي بلغ في رواية تسعين ألفًا.
وفي أخرى: مائة ألف وأربعة عشر ألفًا.
وأخرى: مائة ألف وعشرون ألفًا.
وأخرى: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، وقيل غير ذلك ( [128] ) .