وقال الرازيُّ:"التقيَّة إنما تكون إذا كان الرجل في قومٍ كفَّار، ويخاف منهم على نفسه وماله، فيُداريهم باللِّسان؛ وذلك بأن لا يُظهر العداوة باللِّسان، بل يجوز أيضًا أن يظهر الكلام الموهم للمحبَّة والموالاة، ولكن بشرط أن يُضْمِر خلافه، وأن يُعرِّض في كلِّ ما يقول، فإنَّ التقيَّة تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب" [8] .
أما التقية الشِّيعية: فهي مع أهل السُّنة خصوصًا، فقد بوَّب الحر العاملي بابًا في"وسائله"بعنوان:"باب وجوب عشرة العامَّة (أهل السُّنة) بالتقية" [9] .
ونسبوا لأبي عبدالله أنه قال:"من صلَّى معهم - يعني أهل السُّنة - في الصفِّ الأول، فكأنَّما صلى مع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الصف الأول" [10] .
والسبب في ذلك أنهم يرون أنَّ أهل السنة من جملة الكفَّار؛ لأنهم لم يؤمنوا بالأئمَّة الاثني عشر، قال ابن بابويه:"واعتقادُنا فيمن جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمَّةِ من بعده أنه بِمَنْزلة مَن جحد نبوَّة الأنبياء، واعتقادنا فيمن أقرَّ بأمير المؤمنين وأنكر واحدًا من بعده من الأئمة أنه بمنْزِلة مَن آمن بجميع الأنبياء، ثم أنكر نبوَّة محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم" [11] .
ويقول الطوسي:"ودَفْع الإمامة كُفْر، كما أنَّ دفع النبوَّة كفر، لأنَّ الجهل بهما على حدّ واحد" [12] .
الفرق الثالث: التقية الشرعية رخصة وليست عزيمة:
التقية الشرعية جاءت رخصةً وتخفيفًا على الأمة في بعض الأحوال الاستثنائيَّة الضرورية، ولا حرج لمن ترك هذه الرُّخصة وأخذ بالعزيمة، بل قال العلماء بأنَّ من أخذ بالعزيمة فتضرَّر، فإنَّ ذلك أفضل.
قال ابن بطَّال:"وأجمعوا على أنَّ من أُكره على الكفر، واختار القتل أنَّه أعظم أجرًا عند الله" [13] .
وقال الرازيُّ:"لو أفصح بالإيمان والحقِّ حيث يجوز له التقيَّةُ، كان ذلك أفضل" [14] .