فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 304

ثم إن المرء ليتساءل هنا: ما هذه العقائد التي لو أظهروها لاستوجبت غضب الحكام الأمويين والعباسيين والعثمانيين وغيرهم، بل حتى سلاطين الشيعة - كما قال الخميني [1] - فيصبوا بسببها جام غضبهم عليهم، ويتربصون بالشيعي لإهدار دمه، حتى كان الكفر والزندقة أخف بنظرهم من شيعة آل محمد، حتى اضطروهم بسبب ذلك إلى اللجوء إلى هذه التقية التي شذوا بها عن غيرهم؟!

أهو خلاف ما عليه إجماع المسلمين؟ أم موافق لأصول الشرع الإسلامي وعقائده كما قال السبحاني في قوله الآنف الذكر؟!

أو كما قال الطباطبائي: وكان موقف أئمة أهل البيت عليهم السلام مما يثار من الخلافات في هذه الفتنة موقفًا حكيمًا، فقد كانوا يجارون الفقه الرسمي الذي تتبناه السلطة ما تسعهم المجاراة؛ لئلا يزيد الشرخ في هذه الأمة، فإذا خلوا إلى أصحابهم بينوا لهم وجه الحق فيما يختلف فيه الناس، وأمروهم بالكتمان والسر ما وسعهم ذلك، وحتى يقضي الله ما هو قاض، وهذا هو ما يعرف عند الإمامية ب‍ «التقية» ، ولم تكن الغاية منها المحافظة على النفوس والدماء من إرهاب السلطة، وإنما كانت الغاية منها كثيرًا هي المحافظة على وحدة كيان الأمة من التصدع والتفرق قدر الامكان، على أن أهل البيت عليهم السلام لم يفرطوا في بيان أحكام الله وحدوده بسبب التقية وقد أساء كثير من الناس فهم التقية وتحاملوا على الشيعة بسببها، ولو عرفوا منطلقات التقية وحدودها من مصادرها الصحيحة لم يجدوا بدًا منها في هذه الفترة الدقيقة والصعبة من تاريخ الإسلام [2] .

(1) قال: ولا فرق في التقية الاضطرارية بين كون التقية عن أمراء العامة وقضاتهم أو عن الكفار أو عن سلاطين الشيعة لإطلاق حديث الرفع. انظر: الخلل في الصلاة، للخميني (6) .

(2) رياض المسائل، لعلي الطباطبائي (1/24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت