فأقول: لعل أقدم نص وقفت عليه في أسباب التقية عند القوم ما أورده النوبختي، وهو من علماء الشيعة في القرن الثالث الهجري حيث يقول في كتابه (فرق الشيعة) في معرض كلامه عن الاختلاف بين الشيعة بعد وفاة الباقر: إن بعضهم مال إلى قول سليمان بن جرير، وهو الذي قال لأصحابه: إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معهما من أئمتهم على كذب أبدًا، وهما القول بالبداء وإجازة التقية، أما التقية فإنه لما كثرت على أئمتهم مسائل شيعتهم في الحلال والحرام وغير ذلك من صنوف أبواب الدين فأجابوا فيها وحفظ عنهم شيعتهم جواب ما سألوهم وكتبوه ودونوه، ولم يحفظ ائمتهم تلك الأجوبة لتقادم العهد وتفاوت الأوقات؛ لأن مسائلهم لم ترد في يوم واحد، ولا في شهر واحد بل في سنين متباعدة وأشهر متباينة، وأوقات متفرقة، فوقع في أيديهم في المسألة الواحدة عدة أجوبة مختلفة متضادة، وفي مسائل مختلفة أجوبة متفقة، فلما وقفوا على ذلك منهم ردوا إليهم هذا الاختلاف والتخليط في جواباتهم وسألوهم عنه وأنكروه عليهم، فقالوا: من أين هذا الاختلاف؟ وكيف جاز ذلك؟! قالت لهم أئمتهم: إنما أجبنا بهذا للتقية، ولنا أن نجيب بما أجبنا وكيف شئنا، لأن ذلك إلينا، ونحن نعلم بما يصلحكم وما فيه بقاؤنا وبقاؤكم وكف عدوكم عنا وعنكم. فمتى يظهر من هؤلاء على كذب ومتى يعرف لهم حق من باطل؟! فمال إلى سليمان بن جرير هذا لهذا القول جماعة من أصحاب أبي جعفر وتركوا القول بإمامة جعفر عليه السلام [1] .
(1) فرق الشيعة للنوبختي (64) .