نوعا الإيجاز
فالقصر تقليل الألفاظ، وتكثير المعاني وهو قول الله عزّ وجل: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} .
ويتبيّن فضل هذا الكلام إذا قرنته بما جاء عن العرب في معناه، وهو قولهم:
«القتل أنفى للقتل» . فصار لفظ القرآن فوق هذا القول لزيادته عليه في الفائدة، وهو إبانة العدل لذكر القصاص وإظهار الغرض المرغوب عنه فيه لذكر الحياة، واستدعاء الرّغبة والرّهبة لحكم الله به ولإيجازه في العبارة. فإنّ الذي هو نظير قولهم: «القتل أنفى للقتل» إنما هو: «القصاص حياة» وهذا أقلّ حروفا من ذاك، ولبعده من الكلفة بالتكرير، وهو قولهم: «القتل أنفى للقتل» . ولفظ القرآن برئ من ذلك، وبحسن التأليف وشدة التلاؤم المدرك بالحسّ لأنّ الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة.
(فصل)
(الأرداف والتوابع)
الأرداف والتوابع: أن يريد المتكلم الدلالة على معنى فيترك اللفظ الدالّ عليه، الخاص به، ويأتي بلفظ هو ردفه وتابع له، فيجعله عبارة عن المعنى الذي أراده، وذلك مثل قول الله تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} ، وقصور الطرف في الأصل موضوعة للعفاف على جهة التوابع والأرداف وذلك أن المرأة إذا عفّت قصرت طرفها على زوجها، فكان قصور الطرف ردفا للعفاف، والعفاف ردف وتابع لقصور الطرف.
وكذلك قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} ، وذلك أنّ الناس يتكافّون عن الحرب من أجل القصاص فيحيون فكأن حياتهم ردف للقصاص الذي يتكافّون عن القتل من أجله ونحوه قول الشاعر:
وفى العتاب حياة بين أقوام