الصفحة 18 من 121

وقد حمل مشعل الدعوة علماء واصلوا المسيرة بعده إلي أن جاء شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وكان الواقع حوله جاهلية مع الاحتفاظ بالشكل ظاهرا، فقد كانت الدولة العثمانية هي دولة الخلافة، وهي التي تقوم بالدفاع عن الإسلام في هذا الوقت أمام الغرب، وهي التي وقفت طويلا أمامهم، ولكن بالرغم من انتسابها إلي الشرع، انتشر فيها شرك النسك. أو شرك القبور، حيث أصبح هذا الشرك هو اعتقاد كثير من الخاصة والعامة، فالحاكم والعالم والعامي كلهم على هذا الأمر يدينون به -إلا من رحم ربك-.

وقد دعا الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلي توحيد الله و الإسلام الخالص، وقاتل بمن معه من أهل التوحيد من عصاه من أهل الشرك. قاتلهم حتي يكون الدين كله لله، وقد بين لهم أن الشرك يكفر به المسلم مع انتسابه إلي الإسلام، ويقاتل عليه قتال الكفار. وكانت النتيجة أن وقف الجميع في عداء معه [1] ، حتى كادوا أن يقضوا علي دولة الإسلام، ولكن دعوته ظلت باقية في حياته وبعد مماته.

وفي ركب السلف الصالح جاء العلامة الشهيد الشيخ سيد قطب، ولكن الظروف كانت مختلفة، فقد عادت الأمة-إلا من رحم ربك- إلي الظلام مرة أخري، إلي جاهلية في العقيدة والتصور والسلوك و الأخلاق والعادات و التقاليد، جاهلية في كل شيء فلا حكم ولا ولاء ولا نسك، بل غابت الدولة الإسلامية عن الوجود، وأصبحت دولا علمانية تدين لغير الله بالحكم والولاء والنسك، وتقوم علي حماية هذا الوضع، دولة كل مؤسساتها محادة لله ورسوله، قائمة علي غير الإسلام.

فوقف العلامة الشيخ سيد قطب حيث زالت الخلافة وزال معها الإسلام الذي كان يحكم الأرض، وأصبح الشتات المبعثر يحكمه الغرب في كل شيء، فوقف سيد قطب-رحمه الله- معلنا العودة من جديد إلي الإسلام المحض، إلي ما أنا عليه وأصحابي، إلي الخلافة الراشدة، إلي الرشد في المفهوم، والرشد في المواجهة، فالبيان يواجهه البيان، أما القوي المادية فلابد من قوي مادية تواجهها، كان متميزا في المفهوم، متميزا في الواقع، متميزا في الحركة، حاول إحياء جيل جديد يستقي من نبع القرآن وحده كالجيل الأول جيل صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم، كان يريد صنع جيل خالص العقل، خالص التصور، خالص العقيدة، وهكذا صنع الجيل الأول، وهكذا يجب أن يصنع كل جيل - أرادها عودة إلي الحق، إلي منابعه الأولي، أرادها راشدة وبين الطريق إليها، وأعلنها مدوية عالية كما أعلنها محمد بن عبد

(1) - الدولة العثمانية والدولة الإسلامية التابعة لها في الشام والعراق واليمن وكذلك العامةو العلماء -إلا من رحم ربك- كانوا علي قلب رجل واحد من اتباع شرك النسك وفي عداوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت