خلال الواقع، لا يمكن أن يعيد الإسلام مرة أخري، بل لا بد من وجودهما معا صنوان لا ينفصل أحدها عن الآخر وإلا فقد الشرعية.
فهناك حركات تدور حول نفسها في حلقة مفرغة تستنفذ فيها الجهود والإمكانيات في وضع مُغيَب عن الواقع، كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا.
أخي الحبيب:
نخلص من ذلك أن التنظيم والحركة فقط غير كافيين للوصول إلي الغايات والأهداف الإسلامية، وأن المفهوم الصحيح فقط من غير تنظيم وحركة لا يصل بنا إلي الأهداف والغايات الإسلامية.
فلابد من التكامل بين المفهوم والحركة، حركة واقعية صحيحة تستطيع أن تجابه الواقع بكل أبعاده، في ضوء حركة واعية مستبصرة، تدرك أبعاد الواقع، وتضع الوسائل الملائمة في المواجهة، هنا فقط تكون الحركة حية فاعلة ذات أهداف، تتربي من خلالها الأفراد بالعقيدة، وتكتمل العقيدة بهم، فيتم تكون الحركة والجماعة، ويتم اكتمال العقيدة من خلال الواقع، لا من خلال هياكل تنظيمية بغير مفهوم صحيح، أو مفهوم لا صلة له بأرض الواقع.
إن التصور الإٍسلامي للألوهية، وللوجود الكوني، وللحياة، وللإنسان .. تصور شامل كامل. ولكنه كذلك تصور واقعي إيجابي. وهو يكره - بطبيعته - أن يتمثل في مجرد تصور ذهني معرفي، لأن هذا يخالف طبيعته وغايته. ويجب أن يتمثل في أناسى، وفي تنظيم حي، وفي حركة واقعية .. وطريقته في التكون أن ينمو من خلال الأناسى والتنظيم الحي والحركة الواقعية، حتى يكتمل نظريًا في نفس الوقت الذي يكتمل فيه واقعيًا - ولا ينفصل في صورة"النظرية"بل يظل ممثلًا في صورة"الواقع"الحركي ..
وكل نمو نظري يسبق النمو الحركي الواقعي، ولا يتمثل من خلاله، هو خطأ وخطر كذلك، بالقياس إلى طبيعة هذا الدين وغايته، وطريقة تركيبه الذاتي.
والله - سبحانه - يقول: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} .. [الإسراء: 1.6]
فالفرق مقصود. والمكث مقصود كذلك، ليتم البناء التكويني، المؤلف من عقيدة في صورة"منظمة حية"لا في صورة"نظرية"!