(تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ(101) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (102)
لَمَّا تَكَرَّرَ ذِكْرُ الْقُرَى الَّتِي كَذَّبَ أَهْلُهَا رُسُلَ اللَّهِ بِالتَّعْيِينِ وَبِالتَّعْمِيمِ، صَارَتْ لِلسَّامِعِينَ كَالْحَاضِرَةِ الْمُشَاهَدَةِ الصَّالِحَةِ لِأَنْ يُشَارَ إِلَيْهَا، فَجَاءَ اسْمُ الْإِشَارَةِ لِزِيَادَةِ إِحْضَارِهَا فِي أَذْهَانِ السَّامِعِينَ مِنْ قوم مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِيَعْتَبِرُوا حَالَهُمْ بِحَالِ أَهْلِ الْقُرَى، فَيَرَوْا أَنَّهُمْ سَوَاءٌ فَيَفِيئُوا إِلَى الْحَقِّ.
وَجُمْلَةُ: (تِلْكَ الْقُرى) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافَ الْفَذْلَكَةِ لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الْقَصَصِ مِنْ قَوْلِهِ: (لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ) [الْأَعْرَاف: 59] ثُمَّ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نبيء) [الْأَعْرَاف: 94] الْآيَةَ.
وَ (مِنْ) تَبْعِيضِيَّةٌ لِأَنَّ لَهَا أَنْبَاءً غَيْرَ مَا ذُكِرَ هُنَا مِمَّا ذُكِرَ بَعْضُهُ فِي آيَاتٍ أُخْرَى وَطُوِيَ ذِكْرُ بَعْضِهِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ فِي التَّبْلِيغِ.
وَالْأَنْبَاءُ: الْأَخْبَارُ.
وَالْمُرَادُ بِالْقُرَى وَضَمِيرِ أَنْبَائِهَا: أَهْلُهَا، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (رُسُلُهُمْ) .
وَجُمْلَةُ: (وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ: (تِلْكَ الْقُرى) لِمُنَاسَبَةِ مَا فِي كِلْتَا الْجُمْلَتَيْنِ مِنْ قَصْدِ التَّنْظِيرِ بِحَالِ المكذبين بِمُحَمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَجَمْعُ «الْبَيِّنَاتِ» يُشِيرُ إِلَى تَكَرُّرِ الْبَيِّنَاتِ مَعَ كُلِّ رَسُولٍ، وَالْبَيِّنَاتُ: الدَّلَائِلُ الدَّالَّةُ عَلَى الصِّدْقِ.
(وَالْفَاءُ) فِي قَوْلِهِ: (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) لِتَرْتِيبِ الْإِخْبَارِ بِانْتِفَاءِ إِيمَانِهِمْ عَنِ الْإِخْبَارِ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ بِمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلَى الْإِيمَان.
وَصِيغَة (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) تُفِيدُ مُبَالَغَةَ النَّفْيِ بِلَامِ الْجُحُودِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ حُصُولَ الْإِيمَانِ كَانَ مُنَافِيًا لِحَالِهِمْ مِنَ التَّصَلُّبِ فِي الْكُفْرِ.
وَالْمَعْنَى: فَاسْتَمَرَّ عَدَمُ إِيمَانِهِمْ وَتَمَكَّنَ مِنْهُمُ الْكُفْرُ فِي حِينِ كَانَ الشَّأْنُ أَنْ يقلعوا عَنهُ.
وَأُسْنِدَ نَفْيُ الْإِيمَانِ إِلَى ضَمِيرِ جَمِيعِ أَهْلِ الْقُرَى بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ، وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ كَثِيرٌ، وَسَيَخْرُجُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ: (وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ) .
وَمعنى قوله: (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ) مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ الْعَجِيبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ حِكَايَةِ اسْتِمْرَارِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَالْمُؤْذِنُ بِهِ فِعْلُ يَطْبَعُ.
وَإِظْهَارُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ فِي جُمْلَةِ (يَطْبَعُ اللَّهُ) دُونَ الْإِضْمَارِ: لِمَا فِي إِسْنَادِ الطَّبْعِ إِلَى الِاسْمِ الْعَلَمِ مِنْ صَرَاحَةِ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ طَبْعٌ رَهِيبٌ لَا يُغَادِرُ لِلْهُدَى مَنْفَذًا إِلَى قُلُوبِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ) [لُقْمَان: 11] دُونَ أَنْ يَقُولَ: هَذَا خَلْقِي، وَلِهَذَا اخْتِيرَ لَهُ الْفِعْلُ الْمُضَارِعُ الدَّالُّ عَلَى اسْتِمْرَارِ الْخَتْمِ وَتَجَدُّدِهِ.
وَالْقُلُوبُ: الْعُقُولُ، وَالْقَلْبُ: فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: مِنْ أَسْمَاءِ الْعَقْلِ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي (الْكافِرِينَ) تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، مُفِيدٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ، أَيْ: جَمِيعُ الْكَافِرِينَ مِمَّنْ ذُكِرَ وَغَيْرِهِمْ.
وَفِي قَوْلِهِ: (وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، تَسْلِيَة لمُحَمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ مَا لَقِيَهُ مِنْ قَوْمِهِ هُوَ سُنَّةُ الرُّسُلِ السَّابِقِينَ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِتَقْصِيرٍ مِنْهُ، وَلَا لِضَعْفِ آيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ لِلْخَتْمِ عَلَى قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ.
وَعُطِفَتْ جُمْلَةُ: (وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ) عَلَى جُمْلَةِ: (وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ) وَمَا رتب عَلَيْهَا مِنْ قَوْلِهِ: (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ) تَنْبِيهًا عَلَى رُسُوخِ الْكُفْرِ مِنْ نُفُوسِهِمْ بِحَيْثُ لَمْ يَقْلَعْهُ مِنْهُمْ لَا مَا شَاهَدُوهُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ، وَلَا مَا وَضَعَهُ اللَّهُ فِي فِطْرَةِ الْإِنْسَانِ مِنَ اعْتِقَادِ وُجُودِ إِلَهٍ وَاحِدٍ وَتَصْدِيقِ الرُّسُلِ الدَّاعِينَ إِلَيْهِ، وَلَا الْوَفَاءُ بِمَا عَاهَدُوا عَلَيْهِ الرُّسُلَ عِنْدَ الدَّعْوَةِ: إِنَّهُمْ إِنْ أَتَوْهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ يُؤْمِنُونَ بِهَا.
وَالْوِجْدَانُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَجَازٌ فِي الْعِلْمِ، فَصَارَ مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ.
وَمَعْنَى انْتِفَاءِ وِجْدَانِهِ هُوَ انْتِفَاءُ الْوَفَاءِ بِهِ، لِأَنَّ أَصْلَ الْوَعْدِ ثَابِتٌ مَوْجُودٌ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ تَحَقُّقُهُ لَا يَظْهَرُ إِلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ الْوَفَاءُ، جَعَلَ انْتِفَاءَ الْوَفَاءِ بِمَنْزِلَةِ انْتِفَاءِ الْوُقُوعِ، وَالْمَعْنَى عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ: مَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ وَفَاءِ عَهْدٍ.
وَإِنَّمَا عُدِّيَ عَدَمُ وِجْدَانِ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ فِي (أَكْثَرَهُمْ) لِلْإِشَارَةِ إِلَى إِخْرَاجِ مُؤْمِنِي كُلِّ أُمَّةٍ مِنْ هَذَا الذَّمِّ، وَالْمُرَادُ بِأَكْثَرِهِمْ، أَكْثَرُ كُلِّ أُمَّةٍ مِنْهُمْ، لَا أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ قَلِيلَةٌ مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الْأُمَمِ.
وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ) إِخْبَارٌ بِأَنَّ عَدَمَ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ مِنْ أَكْثَرِهِمْ كَانَ مِنْهُمْ عَنْ عَمْدٍ وَنَكْثٍ، وَلِكَوْنِ ذَلِكَ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى مَا فِي الْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا عُطِفَتْ وَلَمْ تُجْعَلْ تَأْكِيدًا لِلَّتِي قَبْلَهَا أَوْ بَيَانًا، لِأَنَّ الْفِسْقَ هُوَ عِصْيَانُ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَذَّبُوا فِيمَا وَعَدُوا عَنْ قَصْدٍ لِلْكُفْرِ.
وَ (إِنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَبَعْدَهَا مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ هُوَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْهُ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ هَذَا الْخَبَرِ لِيَعْلَمَهُ السَّامِعُونَ.
وَجُلِبَتِ اللَّامُ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمُخَفَّفَةِ وَالنَّافِيَةِ.
وَأُسْنِدَ حُكْمُ النَّكْثِ إِلَى أَكْثَرِ أهل الْقرى، تَبينا لِكَوْنِ ضَمِيرِ (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) جَرَى عَلَى التَّغْلِيبِ، وَلَعَلَّ نُكْتَةَ هَذَا التَّصْرِيحِ فِي خُصُوصِ هَذَا الْحُكْمِ أَنَّهُ حُكْمُ مَذَمَّةٍ وَمَسَبَّةٍ، فَنَاسَبَتْ مُحَاشَاةَ مَنْ لَمْ تَلْتَصِقْ بِهِ تِلْكَ المسبة.