(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ(25)
وَالتَّبْشِيرُ الْإِخْبَارُ بِالْأَمْرِ الْمَحْبُوبِ فَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الْخَبَرِ.
وَقَيَّدَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مَعْنَى التَّبْشِيرِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُخْبَرُ (بِالْفَتْحِ) غَيْرَ عَالِمٍ بِذَلِكَ الْخَبَرِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَكْفِي عَدَمُ تَحَقُّقِ الْمُخْبِرِ (بِالْكَسْرِ) عِلْمَ الْمُخْبَرِ (بِالْفَتْحِ) فَإِنَّ الْمُخْبِرَ (بِالْكَسْرِ) لَا يَلْزَمُهُ الْبَحْثُ عَنْ عِلْمِ الْمُخَاطَبِ فَإِذَا تَحَقَّقَ الْمُخْبِرُ عِلْمَ الْمُخَاطَبِ لَمْ يَصِحَّ الْإِخْبَارُ إِلَّا إِذَا اسْتُعْمِلَ الْخَبَرُ فِي لَازِمِ الْفَائِدَةِ أَوْ فِي تَوْبِيخٍ وَنَحْوِهِ.
وَالْأَنْهَارُ جَمْعُ نَهَرٍ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَالنَّهْرُ الْأُخْدُودُ الْجَارِي فِيهِ الْمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ مَادَّةِ نَهَرَ الدَّالَّةِ عَلَى الِانْشِقَاقِ وَالِاتِّسَاعِ وَيَكُونُ كَبِيرًا وَصَغِيرًا.
وَأَكْمَلُ مَحَاسِنِ الْجَنَّاتِ جَرَيَانُ الْمِيَاهِ فِي خِلَالِهَا وَذَلِكَ شَيْءٌ اجْتَمَعَ الْبَشَرُ كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَنْفَسِ الْمَنَاظِرِ لِأَنَّ فِي الْمَاءِ طَبِيعَةَ الْحَيَاةِ وَلِأَنَّ النَّاظِرَ يَرَى مَنْظَرًا بَدِيعًا وَشَيْئًا لَذِيذًا.
وَأَوْدَعَ فِي النُّفُوسِ حُبَّ ذَلِكَ فَإِمَّا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعَدَّ نَعِيمَ الصَّالِحِينَ فِي الْجَنَّةِ عَلَى نَحْوِ مَا أَلِفَتْهُ أَرْوَاحُهُمْ فِي هَذَا الْعَالَمِ فَإِنَّ لِلْإِلْفِ تَمَكُّنًا مِنَ النُّفُوسِ وَالْأَرْوَاحِ بِمُرُورِهَا عَلَى هَذَا الْعَالَمِ عَالَمِ الْمَادَّةِ اكْتَسَبَتْ مَعَارِفَ وَمَأْلُوفَاتٍ لَمْ تَزَلْ تَحِنُّ إِلَيْهَا وَتَعُدُّهَا غَايَةَ الْمُنَى وَلِذَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهَا النَّعِيمَ الدَّائِمَ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ، وَإِمَّا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَبَّبَ إِلَى الْأَرْوَاحِ هَاتِهِ الْأَشْيَاءَ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهَا عَلَى نَحْوِ مَا أَلِفَتْهُ فِي الْعَوَالِمِ الْعُلْيَا قَبْلَ نُزُولِهَا لِلْأَبْدَانِ لِإِلْفِهَا بِذَلِكَ فِي عَالَمِ الْمِثَالِ، وَسَبَبُ نُفْرَتِهَا مِنْ أَشْكَالٍ مُنْحَرِفَةٍ وَذَوَاتٍ بَشِعَةٍ عَدَمُ إِلْفِهَا بِأَمْثَالِهَا فِي عَوَالِمِهَا.
وَقَوْلُهُ: (مِنْ تَحْتِهَا) يَظْهَرُ أَنَّهُ قَيْدٌ كَاشِفٌ قُصِدَ مِنْهُ زِيَادَةُ إِحْضَارِ حَالَةِ جَرْيِ الْأَنْهَارِ إِذِ الْأَنْهَارُ لَا تَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ تَجْرِي مِنْ فَوْقُ فَهَذَا الْوَصْفُ جِيءَ بِهِ لِتَصْوِيرِ الْحَالَةِ لِلسَّامِعِ لِقَصْدِ التَّرْغِيبِ وَهَذَا مِنْ مَقَاصِدِ الْبُلَغَاءِ إِذْ لَيْسَ الْبَلِيغُ يَقْتَصِرُ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِفْهَامِ، وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا قَوْلُ النَّابِغَةِ يَصِفُ فَرَسَ الصَّائِدِ وَكِلَابَهُ:
مِنْ حِسِّ أَطْلَسَ تَسْعَى تَحْتَهُ شِرَعٌ ... كَأَنَّ أَحْنَاكَهَا السُّفْلَى مَآشِيرُ
وَالتَّحْتُ اسْمٌ لِجِهَةِ الْمَكَانِ الْأَسْفَلِ وَهُوَ ضِدُّ الْأَعْلَى، وَلِكُلِّ مَكَانِ عُلُوٌّ وَسُفْلٌ وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ ارْتِفَاعَ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ التَّحْتُ عَلَى التَّحْتِ بَلْ غَايَةُ مَدْلُولِهِ أَنَّهُ بِجِهَةِ سُفْلِهِ قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: (وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي) [الزخرف: 51] فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَأْوِيلِ الْجَنَّةِ هُنَا بِالْأَشْجَارِ لِتَصْحِيحِ التَّحْتِ وَلَا إِلَى غَيْرِهِ مِنَ التَّكَلُّفَاتِ.
وَقَوْلُهُ: (وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا) ظَاهِرٌ فِي أَنَّ التَّشَابُهَ بَيْنَ الْمَأْتِيِّ بِهِ لَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثِمَارِ الدُّنْيَا.
ثُمَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِنِعْمَةِ التَّأَنُّسِ بِالْأَزْوَاجِ وَنَزَّهَ النِّسَاءَ عَنْ عَوَارِضِ نِسَاءِ الدُّنْيَا مِمَّا تَشْمَئِزُّ مِنْهُ النَّفْسُ لَوْلَا النِّسْيَانُ فَجَمَعَ لَهُمْ سُبْحَانَهُ اللَّذَّاتِ عَلَى نَحْوِ مَا أَلِفُوهُ فَكَانَتْ نِعْمَةً عَلَى نِعْمَةٍ.
وَالْأَزْوَاجُ جَمْعُ زَوْجٍ يُقَالُ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِأَنَّهُ جَعَلَ الْآخَرَ بَعْدَ أَن كَانَ مُفردا زَوْجًا وَقَدْ يُقَالُ لِلْأُنْثَى زَوْجَةً بِالتَّاءِ وَوَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِي الْبُخَارِيِّ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» يَعْنِي عَائِشَةَ وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ:
وَإِنَّ الَّذِي يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي ... كَسَاعٍ إِلَى أَسد الشّرى يستمليها
وَقَوْلُهُ: (وَهُمْ فِيها خالِدُونَ) احْتِرَاسٌ مِنْ تَوَهُّمِ الِانْقِطَاعِ بِمَا تَعَوَّدُوا مِنِ انْقِطَاعِ اللَّذَّاتِ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّ جَمِيعَ اللَّذَّاتِ فِي الدُّنْيَا مُعَرَّضَةٌ لِلزَّوَالِ وَذَلِكَ يُنَغِّصُهَا عِنْدَ الْمُنْعَمِ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ أَبُو طيب:
أَشَدُّ الْغَمِّ عِنْدِي فِي سُرُورٍ ... تَحَقَّقَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالَا
وَقَوْلُهُ: (مُطَهَّرَةٌ) هُوَ بِزِنَةِ الْإِفْرَادِ وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ مطهرات كَمَا قرئ بِذَلِكَ وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تَعْدِلُ عَنِ الْجَمْعِ مَعَ التَّأْنِيثِ كَثِيرًا لِثِقْلِهِمَا لِأَنَّ التَّأْنِيثَ خِلَافُ الْمَأْلُوفِ وَالْجَمْعُ كَذَلِكَ، فَإِذَا اجْتَمَعَا تَفَادَوْا عَنِ الْجَمْعِ بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ كَثِيرٌ شَائِعٌ فِي كَلَامِهِمْ لَا يَحْتَاجُ لِلِاسْتِشْهَادِ.