فهرس الكتاب

الصفحة 284 من 4110

وَقَوْلُهُمْ: (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ مِنْ خَلْقِ الْأَرْضِ هُوَ صَلَاحُهَا وَانْتِظَامُ أَمْرِهَا وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِلِاسْتِفْهَامِ الْمَشُوبِ بِالتَّعَجُّبِ مَوْقِعٌ وَهُمْ عَلِمُوا مُرَادَ اللَّهِ ذَلِكَ مِنْ تَلَقِّيهِمْ عَنْهُ سُبْحَانَهُ أَوْ مِنْ مُقْتَضَى حَقِيقَةِ الْخِلَافَةِ أَوْ مِنْ قَرَائِنِ أَحْوَالِ الِاعْتِنَاءِ بِخَلْقِ الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهَا عَلَى نُظُمٍ تَقْتَضِي إِرَادَةَ بَقَائِهَا إِلَى أَمَدٍ، وَقَدْ دَلَّتْ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ عَلَى أَنَّ إِصْلَاحَ الْعَالِمِ مَقْصِدٌ لِلشَّارِعِ قَالَ تَعَالَى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ) [مُحَمَّد: 22، 23] وَقَالَ: (وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسادَ) [الْبَقَرَة: 205] .

وَلَا يَرِدُ هُنَا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ غِيبَةٌ وَهُمْ مُنَزَّهُونَ عَنْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ الْعَالَمَ لَيْسَ عَالَمَ تَكْلِيفٍ وَلِأَنَّهُ لَا غِيبَةَ فِي مَشُورَةٍ وَنَحْوِهَا كَالْخِطْبَةِ وَالتَّجْرِيحِ لِتَوَقُّفِ الْمَصْلَحَةِ عَلَى ذِكْرِ مَا فِي الْمُسْتَشَارِ

فِي شَأْنِهِ مِنَ النَّقَائِصِ، وَرُجْحَانِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ عَلَى مَفْسَدَةِ ذِكْرِ أَحَدٍ بِمَا يَكْرَهُ، وَلِأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِذَلِكَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ إِذِ الْحَكُمُ عَلَى النَّوْعِ، فَانْتَفَى جَمِيعُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْغِيبَةِ مِنَ الْمَفَاسِدِ فِي وَاقِعَةِ الْحَالِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُحْجِمْ عَنْهَا الْمَلَائِكَةُ.

(ونُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)

يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْغَرَضُ مِنْهُ تَفْوِيضَ الْأَمْرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَاتِّهَامَ عِلْمِهِمْ فِيمَا أَشَارُوا بِهِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُسْتَشَارُ مَعَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ أَسَدُّ مِنْهُ رَأْيًا وَأَرْجَحُ عَقْلًا فَيُشِيرُ ثُمَّ يُفَوِّضُ كَمَا قَالَ أَهْلُ مَشُورَةِ بِلْقِيسَ إِذْ قَالَتْ: أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ - أَيِ الرَّأْيُ أَنْ نُحَارِبَهُ وَنَصُدَّهُ عَمَّا يُرِيدُ مِنْ قَوْلِهِ (وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ) [النَّمْل: 31] - (وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تأمرين) [النَّمْل: 32، 33] ، وَكَمَا يَفْعَلُ التِّلْمِيذُ مَعَ الْأُسْتَاذِ فِي بَحْثِهِ مَعَهُ ثُمَّ يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ مَبْلَغُ عِلْمِهِ، وَأَنَّ الْقَوْلَ الْفَصْلَ لِلْأُسْتَاذِ، أَوْ هُوَ إِعْلَانٌ بِالتَّنْزِيهِ لِلْخَالِقِ عَنْ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مَا بَدَا لَهُمْ مِنْ مَانِعِ اسْتِخْلَافِ آدَمَ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ شَائِبَةِ الِاعْتِرَاضِ، وَاللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ بَرَاءَتَهُمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ كَلَامَهُمْ جَرَى عَلَى طَرِيقَةِ التَّعْبِيرِ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إِعْلَامِ الْغَيْرِ، أَوْ لِأَنَّ فِي نَفْسِ هَذَا التَّصْرِيحِ تَبَرُّكًا وَعِبَادَةً، أَوْ إِعْلَانٌ لِأَهْلِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى بِذَلِكَ.

الِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْغَرَضُ مِنْ قَوْلِهِمْ (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) التَّعْرِيضَ بِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالِاسْتِخْلَافِ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْإِسْمِيَّةَ دَلَّتْ عَلَى الدَّوَامِ وَجُمْلَةُ (مَنْ يُفْسِدُ فِيها) دَلَّتْ عَلَى تَوَقُّعِ الْفَسَادِ وَالسَّفْكِ فَكَانَ الْمُرَادُ أَنَّ اسْتِخْلَافَهُ يَقَعُ مِنْهُ صَلَاحٌ وَفَسَادٌ وَالَّذِينَ لَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ عِصْيَانُ مُرَادِ اللَّهِ هُمْ أَوْلَى بِالِاسْتِخْلَافِ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الْفَسَادُ. [[1] ]

وَأُوثِرَتِ الْجُمْلَةُ الْإِسْمِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ) لِإِفَادَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ أَيْ هُوَ وَصْفُهُمُ الْمُلَازِمُ لِجِبِلَّتِهِمْ، وَتَقْدِيمُ الْمُسْنِدِ إِلَيْهِ عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ دُونَ حَرْفِ النَّفْيِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّخْصِيصِ بِحَاصِلِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْجُمْلَةُ الْإِسْمِيَّةُ مِنَ الدَّوَامِ أَيْ نَحْنُ الدَّائِمُونَ عَلَى التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ دُونَ هَذَا الْمَخْلُوقِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ التَّقْدِيمَ لِمُجَرَّدِ التَّقْوَى نَحْوُ هُوَ يُعْطِي الْجَزِيلَ.

(قالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)

وَهَذَا إِجْمَالٌ فِي التَّذْكِيرِ بِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْسَعُ مِمَّا عَلِمُوهُ فَهُمْ يُوقِنُونَ إِجْمَالًا أَنَّ لِذَلِكَ حِكْمَةً وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنْ لَا حَاجَةَ هُنَا لِتَقْدِيرِ وَمَا تَعْلَمُونَ بَعْدَ مَا لَا تَعْلَمُونَ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ لِكُلِّ سَامِعٍ وَلِأَنَّ الْغَرَضَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِكْرِهِ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِذِكْرِ عِلْمِهِ تَعَالَى بِمَا شَذَّ عَنْهُمْ.

وَقَدْ كَانَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى هَذَا تَنْهِيَةً لِلْمُحَاوَرَةِ وَإِجْمَالًا لِلْحُجَّةِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ بِأَنَّ سِعَةَ عِلْمِ اللَّهِ تُحِيطُ بِمَا لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمُهُمْ وَأَنَّهُ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ آدَمَ خَلِيفَةً كَانَتْ إِرَادَتُهُ عَنْ عِلْمٍ بِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْخِلَافَةِ، وَتَأْكِيدُ الْجُمْلَةِ بِأَنَّ لِتَنْزِيلِ الْمَلَائِكَةِ فِي مُرَاجَعَتِهِمْ وَغَفْلَتِهِمْ عَنِ الْحِكْمَةِ منزلَة المترددين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت