وَفِي الْبُخَارِيِّ الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْوَى بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ فَالْكَسْرُ مَعْنَاهُ سُرْعَةُ الْمَشْيِ وَمِنْهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فُرْجَةً نَصَّ وَالْفَتْحُ قِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَتُطَوَّلُ أَعْنَاقُهُمْ حَتَّى لَا يَصِلَ الْعَرَقُ إِلَى أَفْوَاهِهِمُ الَّتِي كَانُوا يُؤَذِّنُونَ بِهَا وَقِيلَ أَطْوَلُ رَجَاءً مِنْ قَوْلِهِمْ تَطَاوَلَتْ إِلَيْهِ الْأَعْنَاقُ وَطَالَ عُنُقِي إِلَى رَجَائِكَ وَقِيلَ أطول أعناقا وَعَبَّرَ بِالْعُنُقِ عَنِ الصَّوْتِ لِأَنَّهُ مَحَلُّهُ.
وَفِي أَبِي دَاوُدَ الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ وَمَعْنَاهُ يُغْفَرُ لَهُ بِسَبَبِ إِسْمَاعِهِ وَنَشْرِهِ لِذِكْرِ اللَّهِ فِي مَدِّ صَوْتِهِ لِأَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ وَشَهَادَةُ الْجَمَادَاتِ لَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُخْلَقَ بِهَا إِدْرَاكًا وَحَيَاةً عِنْدَ الْأَذَانِ فَتُضْبَطَ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَفِي الْمُوَطَّأ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ النِّدَاءَ فَإِذَا قُضِيَ الْأَذَان أقبل حَتَّى إِذا ثوب بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ فَيَقُولُ اذْكُرْ كَذَا وَاذْكُر كَذَا لما لم يكن يذكر وَحَتَّى يَضِلَّ الرَّجُلُ أَنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى وَالتَّثْوِيبُ الْإِقَامَةُ وَهُوَ مِنَ الرُّجُوعِ.
(فَائِدَةٌ)
لَا يتَوَهَّم من هَذَا أَن الْأَذَان وَالْإِقَامَة أفضل من الصَّلَاة لهروب الشَّيْطَان فِيهَا دُونَ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْمَفْضُولَ قَدْ يَخْتَصُّ بِمَا لَيْسَ للفاضل كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام
أفضلكم عَلِيٌّ وَأَقْرَأُكُمْ أُبَيٌّ وَأَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مَعَ فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى الْجَمِيعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَكَذَلِكَ تَعَرَّضَ الشَّيْطَانُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي صلَاته فَهَمَّ يربطه ثمَّ تَركه كَمَا جَاءَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَإِذَا سَلَكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَجًّا سَلَكَ الشَّيْطَانُ فَجًّا غَيْرَهُ فَهُرُوبُهُ مِنْ عُمَرَ وَإِلْمَامُهُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَهُرُوبِهِ مِنَ الْأَذَانِ وَتَسَلُّطِهِ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الْمُوَطَّأِ سَاعَتَانِ تُفْتَحُ فِيهِمَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَقَلَّ دَاعٍ تُرَدُّ عَلَيْهِ دَعْوَتُهُ حَضْرَةُ النِّدَاءِ بِالصَّلَاةِ وَالصَّفُّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيُرْوَى فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ وَنُزُولُ الْغَيْثِ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ.
(فَرْعٌ)
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ الْأَذَانُ أَمِ الْإِمَامَةُ؟ فَقِيلَ الْأَذَانُ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ تَهْذِيبِ الطَّالِبِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّكْبِيرَاتِ وَالشَّهَادَةِ بِالتَّوْحِيدِ وَحَقِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الشَّهَادَةِ لَهُ بِالرِّسَالَةِ وَحَقِّ الْعِبَادِ فِي الْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَالْمُنْفَرِدِينَ وَالدُّعَاءِ لِلْجَمَاعَةِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِينَ بِخِلَافِ الْإِمَامَةِ فَإِنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَتَحَدَّدْ لَهُ إِلَّا الْجَهْرُ بِالذِّكْرِ لِلْإِعْلَامِ بِالْأَذْكَارِ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَوْلَا الْخَلِيفَةُ لَكُنْتُ مُؤَذِّنًا أَي الْخلَافَة.
سُؤال لم كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام مُؤذنًا؟ لِأَن أَفْضَلَ الْخَلْقِ شَأْنُهُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ بَلْ كَانَ إِمَامًا وَلَمْ يُؤَذِّنْ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فِي سَفَرِهِ جَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْأَذَانَ مُشْتَمِلٌ عَلَى دُعَاءِ النَّاس إِلَى الصَّلَاة فَلَو أذن لَكَانَ التَّخَلُّف عن إِجَابَتِهِ شَدِيدَ الْحَرَجِ فَكَانَ يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ.
وَثَانِيهَا أَنَّهُ إِنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ غَيَّرَ نَظْمَ الْأَذَانِ وَإِنْ قَالَ أشهد أَن مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ أَوْهَمَ رِسَالَةَ غَيْرِهِ.
وَثَالِثُهَا أَنَّ الْأَذَان يحْتَاج إِلَى رصد ومراقبة وَالِاشْتِغَالُ بِأَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ وَمَصَالِحِ الْأُمَّةِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْإِمَامَةِ.
وَقِيلَ الْإِمَامَةُ أَفْضَلُ لِإِفَادَتِهَا فَضْلَ الْجَمَاعَةِ وَهِيَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ لِلْأَذَانِ.