وهذا كلام نفيس للدكتور/ محمد حسين الذهبي في التعريف بابن جرير ومنهجه في هذا التفسير:
قال عليه سحائب الرحمة والرضوان:
كان ابن جرير أحد الأئمة الأعلام، يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظا لكتاب الله، بصيرا بالقرآن، عارفا بالمعاني فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها. وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المخالفين في الأحكام، ومسائل الحلال والحرام عارفا بأيام الناس وأخبارهم، هذا هو ابن جرير في نظر الخطيب البغدادى وهى شهادة عالم خبير بأحوال الرجال. وذكر أن أبا العباس بن سريج كان يقول: محمد بن جرير فقيه عالم. وهذه الشهادة جد صادقة؛ فإن الرجل برع في علوم كثيرة، منها: علم القراءات، والتفسير، والحديث، والفقه، والتاريخ وقد صنف في علوم كثيرة وأبدع التأليف وأجاد فيما صنف، فمن مصنفاته:
كتاب التفسير الذي نحن بصدده. وكتاب التاريخ المعروف بتاريخ الأمم والملوك، وهو من أمهات المراجع، وكتاب القراءات، والعدد والتنزيل،
وكتاب اختلاف العلماء، وتاريخ الرجال من الصحابة والتابعين، وكتاب أحكام شرائع الإسلام، ألفه على ما أداه إليه اجتهاده، وكتاب التبصر في أصول الدين ... وغير هذا كثير من تصانيفه التي تدل على سعة علمه وغزارة فضله.
ولكن هذه الكتب قد اختفى معظمها من زمن بعيد، ولم يحظ منها بالبقاء إلى يومنا هذا وبالشهرة الواسعة، سوى كتاب التفسير، وكتاب التاريخ.
وقد اعتبر الطبري أبا للتفسير. كما اعتبر أبا للتاريخ الإسلامى؛ وذلك بالنظر لما في هذين الكتابين من الناحية العلمية العالية. ويقول ابن خلكان:
إنه كان من الأئمة المجتهدين، لم يقلد أحدا، ونقل: أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازى ذكره في طبقات الفقهاء في جملة المجتهدين. قالوا: وله مذهب معروف، وأصحاب ينتحلون مذهبه يقال لهم الجريرية، ولكن هذا المذهب الذي أسسه - على ما يظهر - بعد بحث طويل، ووجد له أتباعا من الناس، لم يستطع البقاء إلى يومنا هذا كثيره كغيره من مذاهب المسلمين؛ ويظهر أن ابن جرير كان قبل أن يبلغ هذه الدرجة من الاجتهاد متمذهبا بمذهب الشافعى؛ يدلنا على ذلك ما جاء في الطبقات الكبرى لابن السبكى، من أن بن جرير قال: أظهرت فقه الشافعى، وأفتيت به ببغداد عشر سنين، وتلقاه منى ابن بشار الأحول، أستاذ أبي العباس بن سريح. وقال السيوطى في طبقات المفسرين: وكان أولا شافعيا، ثم انفرد بمذهب مستقل، وأقاويل واختيارات، وله أتباع ومقلدون، وله في الأصول والفروع كتب كثيرة اهـ
وذكره صاحب لسان الميزان فقال «ثقة، صادق، فيه تشيع يسير، وموالاة لا تضر .. » ثم قال:
أقذع أحمد بن على السليمانى الحافظ فقال: كان يضع للروافض، وهذا رجم بالظن الكاذب، بل ابن جرير من كبار أئمة الإسلام المعتمدين، وما ندعى اهـ (التفسير والمفسرون. 1/ 205 - 203) .
ــــــــــــــــــــــــــ
التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه:
يعتبر تفسير ابن جرير من أقوم التفاسير وأشهرها، كما يعتبر المرجع الأول عند المفسرين الذين عنوا بالتفسير النقلي؛ وإن كان في الوقت نفسه يعتبر مرجعا غير قليل الأهمية من مراجع التفسير العقلي؛ نظرا لما فيه من الاستنباط، وتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، ترجيحا يعتمد على النظر العقلي، والبحث الحر الدقيق.
ويقع تفسير ابن جرير في ثلاثين جزءا من الحجم الكبير، وقد كان هذا الكتاب من عهد قريب يكاد يعتبر مفقودا لا وجود له، ثم قدر الله له الظهور والتداول، فكانت مفاجأة سارة للأوساط العلمية في الشرق والغرب أن وجدت في حيازة أمير (حائل) الأمير حمود ابن الأمير عبد الرشيد من
أمراء نجد نسخة مخطوطة كاملة من هذا الكتاب، طبع عليها الكتاب من زمن قريب، فأصبحت في يدنا دائرة معارف غنية في التفسير المأثور، ولو أننا تتبعنا ما قاله العلماء في تفسير ابن جرير، لوجدنا أن الباحثين في الشرق والغرب قد أجمعوا الحكم على عظيم قيمته، واتفقوا على أنه مرجع لا غنى عنه لطالب التفسير، فقد قال العقلي رضي الله عنه «وكتابه - يعنى تفسير محمد بن جرير - أجل التفاسير وأعظمها، فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، والإعراب، والاستنباط، فهو يفوق بذلك على تفاسير الأقدمين» .
وقال النووى «أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري»
وقال أبو حامد الإسفرايينى «لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل على كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن ذلك كثيرا»
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية «وأما التفاسير التي في أيدى الناس، فأصبحها تفسير ابن جرير الطبري؛ فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين، كمقاتل بن بكير والكلي» .