وقال عبد العزيز بن محمد الطبري: أخبرني غير واحد من أصحابنا أنه رأى عند أبي جعفر شيخا مسنّا، فقام له أبو جعفر وأكرمه، ثم قال أبو جعفر: إن هذا الرجل ناله فيّ ما قد صار له عليّ به الحقّ الكثير، وذلك أني دخلت إلى طبرستان، وقد شاع سبّ أبي بكر وعمر فيهما، فسألوني أن أملي فضائلهما ففعلت، وكان سلطان البلدة يكره ذلك، فاجتمع إليه من عرّفه ما أمليته، فوجّه إليّ، فبادر هذا وأرسل إليّ من أخبرني أني قد طلبت، فخرجت من وقتي عن البلد ولم يشعر بي، وحصل هذا في أيديهم فضرب بسببي ألفا.
قال: وكان شديد التوقي والحذر والنزاهة والورع، يدلّ على ذلك ما أودعه «كتاب آداب النفوس» المنبه على دينه وفضله. ومع ما كان فيه من الاشتغال بالتصانيف والحديث والاملاء لا بد له مع ذلك من حزبه من القرآن، ويقال إنه كان يقرأ كلّ ليلة ربعا أو حظا وافرا.
قال عبد العزيز بن محمد: وكان أبو جعفر ظريفا في ظاهره، نظيفا في باطنه، حسن العشرة لمجالسيه، متفقدا لأحوال أصحابه، مهذبا في جميع أحواله، جميل الأدب في مأكله وملبسه وما يخصه في أحوال نفسه، منبسطا مع إخوانه حتى ربما داعبهم أحسن مداعبة، وربما جيء بين يديه بشيء من الفاكهة فيجري في ذلك المعنى ما لا يخرج من العلم والفقه والمسائل حتى يكون كأجدّ جدّ وأحسن علم.
وكان إذا أهدى إليه مهد هدية مما يمكنه المكافأة عليه قبله وكافأه، وإن كانت مما لا يمكنه المكافأة عليها ردها واعتذر إلى مهديها. ووجه إليه أبو الهيجاء ابن حمدان ثلاثة آلاف دينار، فلما نظر إليها عجب منها ثم قال: لا أقبل ما لا أقدر على المكافأة عنه، ومن أين لي ما أكافئ عن هذا؟ فقيل: ما لهذا مكافأة إنما أراد التقرب إلى الله عزّ وجل بهذا، فأبى أن يقبله وردّه إليه.
قال أبو علي الأهوازي: مات ببغداد في سنة عشر وثلاثمائة، كذا وجدته بخط أبي سليمان ابن يزيد مكتوبا، ورأيت أيضا من يقول إنه مات في سنة إحدى عشرة وست عشرة، والله أعلم وأحكم، وهذه السنون كلها في أيام المقتدر بالله. اهـ (معجم الأدباء. 6/ 2441 - 2469) باختصار.